السبت، 24 أكتوبر 2026

يوميّات آسرة

في نهاية اليوم، جلستُ على الأرضِ أسفل النافذة المرتفعة في الغرفة، وظهري متكئ على الجدار، الجو بارد، لكن قلبي دافئ وسعيد. ثنيت ركبتيّ كي أسند عليهما دفتر المذكرات الخاص بي، فتحتُ صفحة جديدة، وكتبتُ: 

اليوم: 10 سبتمبر 2025م

"أنهيتُ في الخامسة مساء أعمال المؤتمر الخاص بشركة جولدمان ساكس في مدينة سان فرانسيسكو، خرجت من فندق ذابالس في الداون تاون جنوب منطقة السوق، وتوجهت إلى منطقة القرية الصينية لزيارة مكتبة سيتي لايت (City Lights Booksellers and Publishers) القريبة منها، وهي أحد أقدم دور النشر المعروفة في المدينة، افتتحت في عام 1953م، ولا تزال قائمة بأعمالها في النشر إلى اليوم.

 حينما دخلت، كانت الإضاءة بلون الخريف، تشع بالدفء، والمكان يملؤه الحنان، كأنني أدخل إلى مكان آلفه من قبل. يعرف القراء هذا الشعور جيدا، دائما ما تشعرنا المكتبات بالدفء، وكأنها غرفنا الوديعة الخاصة. أحب هذه العلاقة الحنونة، كيف أصف الطريق إلى المكتبة؟ إنه فقط الاستمتاع بالرحلة، لا الوجهة! بينما أنا أتقدم للداخل وأنظر حول المكان، كانت بائعة الكتب جالسة في المقدمة، تقرأ كتابا وهي تمضع العلكة، نظرتْ إليّ من أعلى طرف نظاراتها الرفيعة، ثم عادتْ لتكمل قراءة الكتاب حينما لم أبدِ أي ردِ فعلٍ على ذلك.

كنتُ في الطابق الأساسي - وهي مكتبة من ثلاث طوابق - حيث ندخل، توجد هناك أقسام الروايات، والأدب المترجم، الفن والتاريخ، وبعض المجلات والمنشورات. في الأسفل يوجد طابق إضافي تحت الأرض، يحوي قسم الفلسفة، الدراسات، الرياضة، السياسة، وغيرها الكثير، وهو أوسع الطوابق وأكثرها رحابة، لم يكن أحد في تلك المكتبة ذلك اليوم غيري، وبائعة الكتب، ورجل في الطابق السفلي، وشخص يبدو أنه رجل يضع مساحيق التجميل، وقد صبغ شعره باللون الوردي، وطلاء الأظافر الأسود يشع مع انعكاس الإضاءة عليه، وفتاة في نادي الشعر.

يوجد نادٍ للشعر في الطابق الأعلى، كان علي أن أصعد درجا خشبيا كي أصله، حيث لا يوجد مصاعد في المكتبة، وكنت أسمع صرير الخشب وهو يحتك ببعضه عندما أخطو إلى الأعلى، حاولت أن ألا أدوس بشدة مخافة أن يحصل شيء سيء. في الولايات المتحدة الأمريكية عموما، تصنع المنازل والمباني من الخشب؛ لأنها أقل من ناحية التكلفة، وأفضل عزلا للحرارة في الصيف. 

حينما وصلتُ إلى ناد الشعر، وجدتُ فيه الكثير من الوسائد المريحة، كراسي القراءة، ونافذة طولية تطل على القرية الصينية. ورغم مكانه بالقرب من تقاطع حيوي، وحركة مشاة رهيبة لا تتوقف، وسيارات مزعجة، ذلك النادي كان عازلا لكل ضوضاء المدينة. تصطف على الجدار بدءا من المدخل إلى آخر زاية في تلك الغرفة رفوف خشبية، بدت مثقلة وقد انحنت في المنتصف إلى الأسفل؛ بسبب وجود الآلاف من كتب الشعر ونقده، كذلك الكثير الكثير من بييت ليترتشر (Beat Literature)، مثل أعمال آلن جينسبرج (Allen Ginsberg) وجاك كيرواس (Jack Kerouac). وهي حركة أدبية أسسها مجموعة من الروائيين والشعراء في الأربعينيات من القرن الماضي. شباب متمردون - كما سيصفهم من يتوق إلى ما صنعوه -، يكتبون عن الحرية، والترحال، البحث عن الذات، رفض القيود الاجتماعية، والحياة خارج القوالب. 

هل يشبه هذا الأمر إلى حد ما صنعه أدباء المهجر وأعضاء الرابطة القلمية في 1920م؟ عندما اجتمعوا في منزل جبران خليل جبران ليتخذوا ذلك القرار النهائي بتأسيس رابطتهم، وانتهاء الاجتماع بجعل جبران رئيسا وميخائيل نعيمة مستشارا؟ لا أعلم، أتمنى لو بإمكاننا قراءة محضر ذلك الاجتماع. ماذا لو لم يتفقوا على ذلك؟ هل كنا سنشهد تدفق ذلك الأدب الساحر الذي صنعوه؟ 

أحب أدباء المهجر، إنهم رائعون، لا أستطيع التوقف عن التفكير في كل كتاب قرأته لجبران خليل جبران. أظنني أنهيت أغلب كتبه، ودائما ما أقف عاجزة عن إيجاد المزيد. لذا سأتظاهر فقط بأننني نسيت كل شيء، وأعود لقرائته من جديد وكأنها المرة الأولى. (الأجنحة المتكسرة)؟ (النبي)؟ (دمعة وابتسامة)؟ (رمل وزبد)؟ لا تسألني ما هو المفضل لدي، أنا فقط أحب كل شيء. أما ميخائيل نعيمة، فلا أزال أخشى أن أقرأ له شيئا، ويكون أقل مما وجدته في (مرداد)، أو (مذكرات الأرقش).

أتذكر اليوم الذي بدأت فيه بقراءة (الرسام تحت المجلى) بعد (مذكرات الأرقش)، وقد شعرت بالإحباط؛ لا لأن الرواية سيئة، إنها في الواقع لطيفة، لكنني كنت أتوقع مستوىً عالٍ من اللغة والتركيب أولا كما وجدته في (مذكرات الأرقش). على العموم، دائما ما ينتهي الأمر هكذا، أنوي كتابة تفاصيل يومي، وتنتهي دائما بجبران خليل جبران أو محمود درويش، وفي بعض الأيام الخاصة غسان كنفاني.

هل كتبتُ من قبل أنني قرأت الأعمال القصصية الكاملة لغسان كنفاني؟ وجزءا كبيرا من أعماله الروائية؟ الآن أقف عاجزة عن فعل أي شيء، لا يوجد هنالك المزيد من غسان كنفاني، كما هو الحال مع جبران خليل جبران ومحمود درويش أيضا. أحب كتابي المفضلين الفلسطينيين، أشعر أنهم حقيقيون وشفافون: شخص أرى من خلاله حياة أخرى، يمكنه هو فقط أن يعيشها، بينما نحن نقرأ الصفحات ونفكر في معاناتهم، لنعود لإكمال حياتنا من جديد بعد تجديد شعور العطف والمؤازرة.

أحيانا أذهب أبعد من ذلك، أبعد من قصائدهم ورواياتهم، وأبحث عن رسائلهم ويومياتهم. أعني هل قرأ أحد ما (صفحات مختارة من دفتر اليوميات لغسان كنفاني) وأكمل يومه بشكل عاي؟ لا يمكن. دفتر صغير فيه حوالي 176 صفحة، جزّأته إلى أيام لأنني أخاف الحزن بعد إنهاء كتاب كنت أتوق إلى قراءته طويلا. 

أذكر اليوم الذي ذهبت فيه للبحث عن ذلك الكتاب الصادر عن دار راية للنشر، حيفا في معرض الكتاب، كل دار نشر قد تحمل جزءا فلسطينيا لم تمتلكه، حتى أصدقائي في دار الأهلية، الذين لطالما كانو أكثر الناس لطفا تجاهي، خصوصا في تفهّم محبتي العميقة لشاعري المفضل، ومساعدتي في إيجاد معظم ما أحتاجه في القائمة السنوية بسرعة، لم يكن معهم. بالصدفة، حصلتُ على نسخة إلكترونية وقرأته في جهازي اللوحي، ست سنوات من حياته بين عامي 1959م إلى 1965م، كَتَب فيه عن حياته في الكويت حيث عمل مدرسًا قبل انتقاله إلى بيروت لممارسة العمل السياسي، معلنًا حينها صفحة جديدة من عمره كانت هي آخر صفحة في حياته...". 

الحديث عن الصفحات جعلني أدرك أنني كنت أنتقل من سان فرانسيسكو عبر دفتر مذكراتي، إلى دفتر اليوميات الخاص بغسان كنفاني في الكويت. يحصل هذا الأمر دائما، لا تتوقف هذه الأفكار عن المشاغبة، لا يهدأ هذا العقل أبدا عن محاولة حصر كل هذه العشوائية وترتيبها في أماكن محددة في رأسي، أما هذا القلب، فهو مغرم بشعراء ماتو منذ زمن بعيد. 

 وضعتُ دفتر المذكرات جانبا، وقفتُ ونظرتُ إلى الخارج من النافذة المطلة على شارع كالفورنيا، حاولت رفع باب النافذة كي أفتحها، لكنه كان ثقيلا جدا، مع ذلك تقبلتُ وجود فتحة صغيرة بين الجدار وطرف النافذة، كان ذلك كل ما استطاعت قوتي أن توجده. سان فرانسيسكو خلابة في المساء، الأضواء، الشوارع، الكنائس، المباني، برودة الجو، والرياح الصعبة، أصفها بالصعبة لأنه لا يمكن التنبؤ بها! أحيانا تكون لطيفة ومنعشة، وأحيانا تعصف بشدة لدرجة أنني أستطيع سماع أوراق الأشجار وهي تصطدم ببعضها البعض من بعيد. 

في تلك الليلة، كانت لدي أمنية وحيدة: أن أعود إلى هذه المدينة مجددا، وأكتب المزيد من اليوميات الآسرة، الكثير منها، لأدرك كم هي حلوة هذه الحياة، حتى عندما لا تهدأ الأفكار. 

 حميدة
4 سبتمبر 2026م
التعليقات:

emerge © , All Rights Reserved. BLOG DESIGN BY Sadaf F K.