الأحد، 19 يوليو 2026

وردة موسم الصيف

 مرحبا يا أصدقاء،

كنت أفكر الفترة الماضية في تزامن ذكرى الميلاد مع منتصف السنة تقريبا، مما يجعلني أراجع ما حدث في النصف الأخير من السنة الماضية (2025م) والنصف الأول من السنة الجارية (2026م). لا أعلم السر الذي يجعلنا ننتظر بداية السنة، أو أول الشهر، للبدء بخطوة مهمة في حياتنا؛ لأن أي يوم في الواقع بداية جديدة. لكن، هل يتعلق الأمر بالحساب الذهني، فيصبح الأمرأسهل للتذكر؟


تكمل مدونتي (حميدة تكتب) اليوم عشر سنوات! أجل، لقد بدأت التدوين بشكل رسمي في عام 2016م، في نفس يوم ميلادي، لكن رحلة الكتابة بدأت قبل ذلك بالتأكيد، في عمر صغير ومبكّر. أنشأت مدونتي لتكون دفتري الخاص، أضع فيها أعمالي الأدبية، أفكاري، تدوينات الميلاد، وتأملات نهاية العام، ويسعدني دائمًا تلقّي محبتكم ورسائلكم حول ما أنشره. لا أهتم إن لم يصل ما أكتبه لألف شخص، لكن إن وجد شخصٌ وحيد المواساة، وصوتي قادرًا على قول حكايته، فذلك يكفي. تكمن مهمة الشاعر/الكاتب في أن يكون صوتًا جهوريا حينما يغرق العالم في صمت خائف.


حينما كنا في بداية العشرين، كنا نحمل شغفا وطاقة لا تنتهي، رغبةً ملحة بالحياة والتحرر، ومِلْئِ المذكّرات بحكاياتٍ لا تنتهي. لكن حينما أنظر للحياة من هذا العمر، في السنوات الأخيرة من العشرين، أظننا أصبحنا أهدأ، أنضج، وأكثر وعيًا بما نريد. تتغير الأولويات والأهداف، وتصبح الجودة، لا الكم، هو ما نرغب به. أكبر درس تعلمته، هو أن كل ما ظننته حطّم جموح أحلامي في الماضي، بنى شخصيتي في الحاضر. الحياة غير عادلة، لكن ما الذي يمكن أن يخيفني الآن؟ عندما ظننت أن كل شيء انتهى، أجد الآن أن كل شيء في الواقع كان يُجَهّزُ لي بصورة أفضل. ولو أن خطتي تحققت، لما حصلت بالضرورة على ما أحصل عليه اليوم.

لذلك أفكر أحيانًا في جدوى المعاناة والألم، لا أريد أن يعاني أحد، وأرغب بشدة بحماية من يعز عليّ من كل أذى، لكن كيف تُبنى الشجاعة؟ كيف تُصقَل الشخصيات؟ كيف يصبح العظماء عظماءً بدون ذلك؟ ما هي تجربة الإنسان وخلاصة حياته لولا معاركه؟


في النصف المنصرم من السنة الماضية، كنت قد انتهيت من اختبار الشهادة المهنية في نوفمبر 2025م للمرة الثانية، وقد بذلت فيها جهدا كبيرا، ولكن لسوء الحظ، لم أجتز تلك المحاولة. وأكثر ما أزعجني هو أنني كنت أفقد 35 نقطة عن الاجتياز، فإعادة اختبار أصعب شهادة مهنية في مجالنا ليس أمرًا هيّـنًا، لكنني قررت أن أعيده مرة أخرى في مايو 2026م، وكنت قد اتخذت طرقا أخرى للمذاكرة، علهّا تفيد. لا أخفِ أنني فقدت الأمل في بعض الأحيان، خصوصا في رحلتنا لمؤتمر الصناديق الاسثمارية في أبو ظبي، لم تكن أي امرأة في الجلسات النسائية – وهن جميعًا نساء ناجحات وقائدات – يحمل اسمها لقب الشهادة، ومع ذلك عندما عدت إلى عُمان، استجمعت شجاعتي، وواصلت الاجتهاد، والحمد لله نجحت في اجتياز المرحة الأولى بنجاح. أعلم أن هذا لا يعني أحدًا، لكنه شيء مهم بالنسبة لي، وهو بداية الإنجاز، ليس نهايته حتمًا، الكثير من الصبر والتركيز مطلوبان في المرحلة القادمة.


أريد في هذه المرة أيضًا، أن أعبر عن فخري بنفسي، بكل العمل الجاد الذي أقدمه في العمل. هذه الأيام، كل ما أفعله هو العمل، والعمل فقط. أفتقد القراءة وكتابة الشعر، وأظنني نسيت كيف أكتب الشعر بطريقة صحيحة. كنت قد بدأت بتعلم اللغة الإسبانية، وهذا ما أفعله عندما أشعر بالملل، استكشفتُ اللغة الكورية في 2021م، وأظنني أجيد بعض الأشياء البسيطة، ثم اللغة اليابانية والروسية في 2025م، لأسبوعين ثم توقفت، وقد كنت أفكر مؤخرا بين اللغة البرتغالية كوني زرت البرتغال في مايو2026م، أو الإسبانية. لكنني وجدت الإسبانية أقرب للغة الإنجليزية، كما أنني أعرف بعض المصطلحات فيها؛ لذا اخترتها على الأخرى. وحينما أملّ قريبًا، سأجد شيئا آخر أتعلمه. هكذا هو الأمر!


أرغب دائما لهذا اليوم أن يكون مميزًا، مليئا بحبي لذاتي وشجاعتي، لإنجازاتي وطبيعتي، للحظات التي أكون فيها رائعة، وتلك التي أكون فيها عادية، لا شيء يغير من حقيقة أنني أحاول كل يوم. هذا بالضبط هو شعور (وردة موسم الصيف)، ويالها من صدفة؛ لأن تدوينة الميلاد السابقة كانت (وردة في البئر)!. في الثقافة الكورية، مصطلح وردة موسم الصيف يدل على النمو والجمال، والشعور بالتجدد والانتعاش، وهو ما يشرح المرحلة التي أعيشها حاليًا، والحمد لله. 


مجددًا، أكتب هذا وأعلم أن أيامًا جميلة ستأتي، وكذلك أيامًا أخرى صعبة، بمشاعر معقدة ومضطربة. لا ينبغي أن نخاف من التعبيرعن الفرح والحب، أبدًا، وكذلك الحزن والغضب، والبغض والانزعاج. أشعر بالامتنان لكل شيء، مهما حدث، ومهما تغيّر، أعلم أن هناك خطة مرتبة من الله، هي الأسمى والأفضل. ثقتي به كبيرة، وأملي به لا يتوقف.


أمنيتي لهذا العام: أن أعود لكتابة الشعر. أحن لأيام الشعر وكتابته، للعزاءات لا النهائية التي أعطاني إياها، للأصدقاء الشعراء والكتّاب الذين سعدت بمعرفتهم، لشعور الخفة بعد كتابة قصيدة، والفخر بوصولها للناس!

إن وصلتم بالقراءة إلى هنا، فشكرًا لكم، وألقاكم في التدوينة القادمة.

 

حميدة

19 يوليو 2026م

 

الأحد، 21 ديسمبر 2025

شارع 999 كاليفورنيا

مرحبا يا أصدقاء، نلتقي مجددا في تأملات نهاية العام، أو ربما المواساة المنتظرة في النهاية.

أولا، الحمد لله على ما مضى وعلى ما هو آتٍ، فنحن تحت ظلاله الوارفة، دائما بأمان. الأمرُ الآخر، أشعر أن هذه السنة مختلفة، تحقق فيها ما لم أتخيّل تحققه، وما لم أخطط له، وأظن أنني بدأت هذا العام بدون خطةٍ أصلا؛ لأن الحياة قبلها لم تكن تشبه شيئا مما أعرفه، لكن أكثر ما تعلمته، هو موازنة التوقعات، وكذلك المخاوف.  

في بداية العام، وبعد سنين من السعي والبحث والرغبة العميقة في إثبات الذات في مجالي المهني، كوني لا أملك شيئا غير المعرفة والشغف، عثرتُ على وظيفة أحلامي، وقبلتُ بها فورا. تجادلنا كثيرا حول الشروط، لكنْ "يبقى النظام نظام، وما نقدر نغيره". كنت سعيدةً جدًا، وفخورة أيضًا، أن باستطاعتي أخيرا أن أقول بأنني أعمل في وظيفة أحلامي، أو ما كنتُ أتخيله جميلًا في أحلامي. في الأيام الأولى، كان كل شيء رائعا، وشبه مثالي، لكن مع الوقت لم أستطع أن أفهم سبب الضغط العميق الداخلي الذي أشعر به. لماذا تبدو وظيفةُ الأحلام، عادية جدًا؟

ظللتُ أفكر في كل الوقت الذي كنت فيه في وظائفَ أُخَر، أقول في نفسي أن بقائي هناك خسارة، لمستقبلٍ استثمرت فيه الكثير. الواقعُ أنّ أي مكان كنتُ فيه، لمْ يكن خسارةً أبدا، بل جزءا من الرحلة التي لم أستطع أن أكونَ أكثر صبرًا عليها. دائما ما استعجلت الأمور، ورغبتُ أن أتخلصَ من كل شي وأحصلَ على ما أريد. وها أنا حصلتُ على ما أريد، لكنه طبيعيٌ جدًا. هنالك الأيام الشاقة، والأيام الهادئة، التحديات، والمهام الروتينية. كان كل شيء يبدو مثل المألوفِ تمامًا، لا شيء خارج عن الطبيعة. نحن من يجمّل الأشياء العادية، في رغبةٍ يائسة منّا للحصول على شيءٍ اسشتثنائي ربما، في الوقت الذي يمتلك فيه الآخرون العاديّ فقط.

مع ذلك، الحمد لله لا أزالُ في مكانٍ أعتبرهُ الأفضل، في مرحلةٍ أستمر فيها بالتعلّم والبقاء خارج منطقة الراحة. تعلمتُ الكثير، وأشعر بنضجٍ أكبر من ذي قبل. التجاربُ الصعبة تربّي الإنسان، تهذِّبُه، وتصنعُ منه نسخةً أفضل.

مما سأتذكره دائما هذه السنة، هي زيارتي الأولى للولايات المتحدة الأمريكية، كاليفورنيا، تحديدا سان فرانسيسكو. أسعدني أنني بدأت بسان فرانسيسكو، وأظنها ستظلُّ المدينة المحببة لي لبعض الوقت. أحببت تلك الزيارة، أحببتُ التجربةَ كلها: التردد والتوتر قبل الرحلة، الطيران في فئة الدرجة الأولى\رجال الأعمال، الستة عشر ساعة في السماء، العبور فوق ثلاث قارات، الوصول إلى وجهة جديدة لا تشبه شيئا مما تألفه ذاكرتي، المباني العملاقة، المشردين في الشوارع، حي (نوب هيل) النظيف، شارع 999 كاليفورنيا، عربات الكابلات وأجراسها، برج كويت، جسر الجولدن جيت الذي يقف كولدٍ عنيد على الخليج، السيارة ذاتية القيادة، الأيام الباردة، كل شيء كان محببا بالنسبة لي.

هل أشتاق سان فرانسيسكو؟ بلى، ولا أستطيع الانتظار لأعود مجددا. أحفظ عن ظهر قلب مساراتِ الأماكن التي زرتها انطلاقًا من شارع كاليفورنيا 999، في حي نوب هيل.

كان هدف الرحلة، هو الحضور والمشاركة في مؤتمر التكنولوجيا والمعلومات الخاص بمؤسسة جولدمان ساكس، الذي يقام سنويا في سان فكرانسيسكو في سبتمبر. تجتمع مئات الشركات المهمة والمعروفة في قطاعي التكنولوجيا والمعلومات، وما يشبههما للالتقاء بالمستثمرين من كل أنحاء العالم. كان الأمرُ مبهرًا، خصوصا عندما تلتقي بإداراتِ الشركات التي كنت تسمع عنها فقط، لتجد نفسك تتحدث مع صنّاعها ومطوريها. أذكر جلسة (OpenAI) جيّدا، استطعتُ أن أجد لنفسي كرسيًا آخر القاعةِ كي أجلس، في الوقت الذي امتلأت فيه كل القاعات عن بكرة أبيها لحضور جلسة الاستماع لتطورات الشركة وآخر أخبارها، ورغم اكتظاظ القاعات، جلسَ الباقون ممن لم يحالفهم الحظ للحصول على كراسٍ وطاولات شاغرة على الأرض، ببزاتهم الرسميّة المنمّقة وهم يدقون لوحاتِ مفاتيحِ حواسيبهم المحمولة لكتابة التفاصيل، بينما بقي الآخرون واقفين طوال الجلسة. وعند انتهاء الجلسات الكبيرة والمهمة، يهرع الجميع للخروج إلى القاعة الرئيسية في فندق (The Palace) أو الوقوف ببساطة في الممرات، ويتحدثون عن الشركات والأعمال والمال.

جزء مني كان يشعر بالغربة في هذه الأجواءِ، هذا كله لا يشبه روح الكتابة الصغيرة المحبّة للعزلة في داخلي. لا أريدُ الجري خلف الشركات الكبرى لمعرفة كل صغيرة وكبيرة، وكثيرا ما أجدُ الحوارَ عن المالِ مملًا للغاية، فآلةُ الرأسمالية التي نعيش فيها ليست مبهرة، وصنعُ المالِ مهما بدا ممتعًا وباعثا بإحساسِ الفوقيّة، إلا أنه مُضنٍ وشاق. هذا ما لَنْ يخبركم به من هم في هذا المجال؛ لأن الاعتراف بذلك يشبه إلى حدٍ ما الانهزام الداخلي في روحِ مقاتلٍ فاز للتو بمعركة كبرى.

أقول كل ذلك لا لأنني ساخطة، أحبُ عملي، ولطالما سعيتُ له، وأظن أن جزءا من النجاة في هذا المجال، آتٍ من رغبة داخلية عميقة في تعلّمه. هذه الحياة المهنية التي نعيشها، تجعلكَ في ثلاث درجات: إما أن تكون آيلًا للعظمة، أو أن تخسر فتُهْجَرَ، أو أن تظلّ في الطبقى الوسطى العائمة فوق الأرض، لكنها لا تصل السماء.   

مع ذلك، أكثر من الكبار العظماء، أحترم من هم في الطبقة الوسطى، لمن يكافحُ ليصلَ رغم أن لا أحد يلتفت له كما يحتاج، لأولئك الذين يسعونَ ويظنون سَعيهم خائبًا لأن لا أحد يعرفهم أو يعترف بهم، لستم وحدكم!

شكرًا لكم أحبتي، وألقاكم في التدوينة المقبلة على خير.

 

حميدة

21 ديسمبر 2025م


الاثنين، 30 يونيو 2025

الدائرة

 قصيدتي الفائزة بالمركز الثاني على مستوى محافظة شمال الباطنة بمسابقة الأندية للإبداع الثقافي 2024-2025.


مِنْ فكرةٍ ما، مِنْ شِفاهِ الذاكرةْ

          سَقَطَتْ على أكتافِنا مُتناثِرةْ

 

وَضَعَتْ على الجبلِ الوحيدِ خُلودَها

          وضَعَتهُ في جبلِ البلادِ العابِرةْ

 

"كالصّورةِ الخرساءِ" تَضْحكُ عاليًا

          مِن ألفِ مصطلحٍ يحيكُ مؤامَرةْ

 

تبدو كثيرًا في المرايا وَحْدَها

          فكَسرْتُها؛ لأرى الشظايا الخاسِرةْ

 

لِلْيَومِ يعطي الأمسَ أكثرهُ .. كما

          يجْتاحُ أوّلهُ لِيقتلَ آخِرَهْ

 

والشمعُ ينكرُ للفتيلةِ دورها

          لمَا أضاءتْ سُمّيَتْ بالماكِرَةْ

 

يا مَنْ قَصدتَ السيرَ في أرضِ الهنا

          ءِ، وليسَ غيرُ الحزنِ أرضٌ شاغِرةْ

 

عطَشٌ شديدٌ للحياةِ وليلَكٌ

          هذا الفؤادُ لذكرياتٍ غائرةْ

 

يتكررونَ وينسخونَ الأمسَ حتـ

          ـى الأمسُ مزّقَ بالتّناصِ دفاتِرهْ

 

داروا جميعًا في البلادِ كأنّها

          أصلُ الثباتِ .. أنا كَسرتُ الدّائِرةْ

 

وأُطلُّ من شباكِ عزلتيَ الذي

          آلفتهُ، كَشّفْتُ عنهُ سَتائِرهْ

 

أُلقي بأشيائي العذابِ لعلّهُ

          يَنْحَلُّ مِني ذَاكِرًا، أو ذَاكِرَةْ

 

يومًا سأنسى كلَّ شيءٍ موجِعٍ

          وأُصيّرُ الضّحْكَاتِ دُوْرًا عامِرةْ

 

يومًا سأعشَقُ رحلتي وأحبّها

          أنا هادئٌ، وأنا الليالي الثائرةْ

 

ما لَمْ يصلكَ اليومَ ليسَ بفائتٍ

          ستلوحُ يومَ غدٍ ملامحُ قاطِرةْ

 

وتظلُّ تمشي في الطريقِ، وذي الطريـ

          ـقُ دوائرٌ والناسُ فيها سائِرةْ

حميدة 

أغسطس 2025م

"الأيام" الأخيرة لطه حسين

صوتٌ تعمّق في الجهاتِ وأدبرا

    فمضى الصدى مترددًا نحو القرى

يحيا الحياة مفتّشًا عن لونها     

    بوداعَةِ الطفل الذي لن ينظرا

لم يمتلك عينين.. كان مصوّرًا

    في قلبِ من سوّاه حتى يُبصِرا

يمشي، تُطاردهُ النبوءةُ، كلما

    نسي الطريقَ تجاوزتهُ ليعبرا

كل الخرائطِ لم تجدْ مفتاحها

    كل الجهات تقولُ: حظًا أوفرا!

وجد الحياة بحقلهِ مرتابةً

    في نبتةٍ لم تستقم كي تُشْجِرا

هل عذرهُ أن السحابَ يخونُهُ

    أم تلكَ زلّتُهُ: نسى أن يشكرا

في ثورة الأشياء قد كان الذي

    لا ينتمي لقبيلة كي يثأرا

وليستعير من البلاغةِ نفسهُ

    قتل الكلامَ، فصار صمتًا أخضرا

يتأمّلُ (الأيام).. حيثُ طفولةٍ

    فيرى، ويدركهُا، ولكن لا يُرَى

وهو الذي من كانَ منسيًا، فلا

    شيءٌ عليهِ إذا أقرّ وأنكرا\

في كل يومٍ كان يكتبُ نفسهُ

    واليومُ إبنُ الأمس .. لن يتكررا

دع قلبكَ الملتاعَ يحيا وافرًا

    من حقِّ هذا القلبِ أن يتحررا

 

حميدة

2019م

 


الأحد، 30 مارس 2025

عقل مشوش في رحلة الحياة الوديعة

 مرحبا يا أصدقاء، أنشر هذه التدوينة في آخر أيام الشهر الفضيل، الحمد لله الذي بلغنا تمام شهر رمضان، ونحن ننعم بالصحة والعافية والرحمة. تقبل الله أعمالكم وطاعاتكم، وكل عام وأنتم بخير.

كنت أكتب هذه التدوينة وأنا أفكر حول وجهة نظري عن رحلة الحياة، أظن أننا نخشى الانكشاف أمام الآخرين، في الوقت الذي يضعون فيه الكثير من التطلّعات والتوقعات علينا، نخشى ما إذا كانت حقيقتنا – كبشر لنا لحظاتنا الخاصة من الضعف والإرهاق والاحتراق النفسي – لا ترقى إلى تلك الفكرة المركونة في أذهانهم عنّا. وظللت أفكر كثيرا، لماذا تلك الفكرة المركونة هي ما يهمنّا عند الآخرين؟

وضعت حياتي أمامي على الطاولة لأفهمها، وفي كل مرة أفعل ذلك، أرى أمامي شخصا واحدا بعقل صغير، يفكر دائما في: الاقتصاد والمالية، الأدب وكتابة الشعر، الرسم والهوايات اليدوية، تعلم اللغات والثقافات الأخرى، الأساطير القديمة، موسيقى الجاز الكلاسيكية، الطبيعة الوديعة... وغيرها الكثير.

ثم وجدت أن كل موضوع يأخذني إلى داخله، ففي الاقتصاد والمالية، يجب أن أقرأ الاقتصاد السياسي والاجتماعي، والرأسمالية، وإدارة الثروة والدخل. وفي الأدب والشعر، أحتاج لقراءة القصص القصيرة والروايات والمسرحيات والعديد من الأجناس الأدبية الأخرى كالمذكرات واليوميات والرسائل. حتى الرسم والهوايات اليدوية، وهي جزء ضئيل من حياتي، لكنني أحب مراقبة الفنانين وتعلم التطريز اليدوي، كما أحب تربية النباتات المنزلية والعناية بها. وكذلك هو الأمر بالنسبة لتعلم اللغات، فقد بدأت بتعلم اللغة الكورية في 2021م، يومها كنت أفكر في تطوير مهارات التواصل بلغات المستثمرين في شرق آسيا، ثم بدأت بتعلّم اللغة اليابانية في 2024م لتكون بطاقة الأمل للوصول إلى إكسبو اليابان، وبعدها بدأت باللغة الروسية مؤخرا، وهي بالنسبة لي الأصعب من ناحية النطق.

كل هذا ولا أزال أشعر بأن مساهمتي في في إثراء الحياة قليلة. أفعل كل ما أفعله – رغم صعوبة إدارته – لأن جودة أعمالي تهمني. وأحيانا تخرج الأمور عن السيطرة، ويصبح من الصعبب الاحتفاظ بكل ما في جعبتي، فاضطر لوضع أولويات، والتضحية بتأجيل بعض الاهتمامات الثانوية لبعض الوقت.

يهمني أن أكون موظفة ناجحة، تسهم في إنجاح أهداف العمل، بل وأن يكون نتاج عملنا كفريق ومؤسسة إضافة للنتاج الإجمالي المحلي للدولة. كنت أعمل بكل طاقتي، دون أن أهتم لأن يلاحظ الآخرون ذلك، يحركني ضميري ومسؤوليتي، ورغبتي الكبيرة في التعلم والإنجاز، والبقاء في بيئة يملؤها المتغيرات والتحديات. لا يمكن للإنسان أن ينمو في منطقة راحته، وكنت أقدم هذا التنازل من أجعل أن أنمو سريعا في العمل رغم أن ذلك كان صعبًا للغاية. ومع ذلك، أتعاطف من نفسي، وأمنحها بعض الأيام الهادئة وروتين عمل ثابت ومريح. لا يمكن أن تدفع بنفسك لأقصى طاقة كل يوم، ثم تتسائل: لماذا أشعر بالملل والإرهاق مع مرور الوقت رغم كل ما أفعل؟ تذكر: حتى الآلات لا تستطيع أن تعمل بكفاءة 100% يوميا. أحيانا تحتاج لفترة راحة لتشحن طاقتك للأيام الصعبة. ثم إن العيش في بيئة مشحونة كل يوم، لا يعني بالضرورة نموك الفكري والمهني سريعا، بل هناك جانب مخفي، وهو احتراق وظيفي ونفسي، وانعزال اجتماعي، وقلة التروي وكثرة الاستعجال. كنت أظن أن عيش التحديات كل يوم يجعلك أقوى، وقادرا على تحمل أقوى الضغوط الممكنة، لكن مع الوقت تضعف قدرتك على التحمل، ويصبح الصبر صعبا للغاية، وتظل تنتظر المكافأة وهي أن تحصل على النتيجة من ذلك العمل الذي بذلت جهدك فيه، وكل احتمال وارد.

يهمني أن تكون أعمالي الأدبية حقيقيّة وصادقة، أكتب قصيدتين أو ثلاثة في السنة الواحدة، لكنها عصارة الفكر والمشاعر التي أملكها، في الوقت الذي يكتب فيه أقراني العديد من الأعمال في مختلف الأجناس الأدبية، ويبدعون ويفوزون بها. كنت ولا أزال أظلم نفسي بمقارنتها مع الآخرين في هذا المجال، ثم أتعجب لم لا أستطيع الكتابة! في الوقت الذي تتخلي فيه عن جعل أعمال الآخرين معيارا لأعمالك، تنطلق يدك في كتابة العجائب. ربما لأن مشاركتي في المسابقات الأدبية منذ البداية جعلتني أرى التنافس الشديد والنقاشات التي تحصل داخليا بين المشاركين في نقدهم للنتائج والمشاركين وغيرها. كل ذلك لا يهم، متى سيجتمع الناس على كلمة واحدة؟ لن يفعلوا ذلك أبدا، لذا أظل أذكّر نفسي دائما أن الآخرين لا يعنونني بشيء، ورحلتي في الكتابة مختلفة. أكتب لنفسي، للآخرين الذين يحبون الحقيقة رغم أنها غير مريحة، للذين يحتاجون سماع الحقائق التي تبدو مؤلمة لكنهم لا يستطيعون قولها، لمن قلبه جريح ويحتاج إلى العزاء، لمن ينتظر من يقول له كلمة لطيفة، لكنه وحيد وخائف. الكتابة بالنسبة لي ليست عملا، فالعمل جزء من حياتي، والكتابة هي حياتي كلها. حتى أنه بعد انتهاء فترة خدمتي في العمل، أتخيل نفسي أعمل في الكتابة، وحضور الجلسات الشعرية والأدبية بشكل مكثف، وقتها لن يقف أي شيء عائقا أمامي.

أظل أكتب عن نفسي لأنني أعرف حقيقتي، التي ربما هي حقيقة أشخاص آخرين يخشون الحديث عنها. قد لا أستطيع الكتابة عن الآخرين ووصف همومهم بدقة ما دمت لا أختلط بهم كثيرا، لكنني متيقنة أننا في رحلة الحياة متشابهون في بعض النواحي. وأرجو أن يكون ذلك عزاء لنا جميعا، فلا أحد محظوظ بالمطلق، أنت فقط لا تستطيع رؤية الصورة كاملة، وهذا ما يشكل الإحباط لدينا.

لذا استمتع برحلتك، وتذكر أن لا شيء سيكون واضحا دائما، أنت من يجعل الطريق واضحا، بالسعي والعمل والتوكل على الله.

 

حميدة

30 مارس 2025م

الأحد، 22 ديسمبر 2024

نزهة إلى العام الجديد

مرحبًا يا أصدقاء، أرجو أن تكونو على ما يرام وأنتم تقرؤون هذه التدوينة.

إذا، كان عاما حافلا، أليس كذلك؟

في كل مرة على مشارف نهاية ديسمبر، يتهافت الناس على صناعة لوحة الأهداف (Vision board) ووضع الخطط المفصّلة للعام الجديد، فهو أمر شائع هذه الأيام تم التروييج له كثيرًا، ويجعلني أتسائل عن مدى واقعية الأهداف التي نضعها ونطمح لها، وعن مدى جدّيتنا في تحقيق تلك الأهداف.

أؤمن بشدة أن أقداركم تؤخذ من أفواهكم، وأؤمن أكثر أن على قدر سعيكم ترزقون. عندما كنت أصغر سنًا، كنت أضع الكثير من الأهداف مع خطط صارمة محددة بالوقت واليوم والتاريخ لتحقيقها. كان الأمر متعبا لدرجة أنني ظننت الحياة قاسية للغاية، وكنت في الواقع أنا من يقسو على نفسه؛ لأنني لم أفهم بعد طبيعة هذه الحياة. ولكن مع تتالي السنوات، أصبحت أدرك أن هناك ما هو أكبر من قدرتي على التحكم به، وسيظهر هذا في حياتنا دائما، وسيظل يظهر حتى نتعلم درسا مهما، وهو التسليم بما يكتبه الله لنا والعمل بناء على ما يأتي بعده.

يحدث كثيرا، أن تخطط للعمل في جهة معينة، وتبذل كل جهدك لأجل الوصول إليها، بل وأنت تعلم في داخلك مدى جدارتك، لكن يشاء الله ولا تصل إلى تلك الجهة. نُصِرُّ أحيانا على ادّخار المال لأجل شيء مهم، ونظل سنين طويلة من حياتنا قابضين أيدينا من أجلها، لكن يشاء الله وتظهر حاجة أشد إلحاحًا مما كنت تدخر له. لديك ذلك الصديق الذي قضيتم سنين طويلة معا، وفجأة يبدأ بالاختفاء بحجة الانشغال وعدم كفاية الوقت، وأنت أكثر من يعلم أن الاطمئنان على الأعزاء عليك، لا يأخذ  أكثر من خمس ثوانٍ لكتابة رسالة: "مرحبًا، حبيت أطمئن عليك، أتمنى تكون بخير".

مسألة إدارة التوقعات مهمة جدا، لا أستطيع أن أقول تخفيض التوقعات، فمن منا لا يحلم بغد أجمل، ولكن على توقعاتنا أن تناسب حجم مجتمعنا، بل دعني أقول حجم الإطار الذي نعيش فيه. بإمكانك أن ترفض ذلك، وهو حقك، ولكن جزءا من الجحيم أحيانًا هو من صناعة أيدينا. لذلك التقبل، والتسليم، والقبول بأن الله يخبئ لك الأجمل، وبأنها الدنيا الفانية التي يوجد ورائها عالم دائم الفرح.

أود أن أقول  لنفسي أولا: الصبر الصبر، اسع واستقبل ما يجيء من الله، عدّل خططك وامضِ على أمل أن يعطيكَ ما تستحق، لا ما ترغب به. ليس كل ما نرغب به لأنفسنا جيدًا بالمناسبة، كم من شر دُفِع عنا بفضل رحمة الله؟ المرونة في التخطيط والقدرة على التكيف مهارتان مهمتان، فحينما لا تسير خطتك بالطريقة التي وضعتها، هذا لا يعني فشلك، تذكر ما لا تستطيع التحكم به. قوتك ونجاحك الحقيقيان، هما قدرتك على تعديل الوضع، والتماشي معه. أنت لست روبوتا آليا كي تحقق نتائج مثالية في وقت قياسي، بل أنت إنسان لك ظروفك وأيامك، وهذه الظروف والأيام تصنع الإبداع، والتجربة، والخبرة.

شاهدت مرة مقطع فيديو كتب في صدره عبارة، وأظنها بحاجة لأن يقرأها كل من تمتلئ حياته بالبؤس في مواقع التواصل الاجتماعي: "الحياة ليست ريلز انستجرام!". عميقة، أليس كذلك؟ في الوقت الذي تتهافت فيه وسائل التواصل الاجتماعي من أجل تضخيم أرباحها، تتفنن في صنع عشوائيات ضخ الدوبامين السريع، وهي مقاطع الفيديو القصيرة التي تجعل الإنسان يشعر بسهولة الوصول إلى المحتوى، فيظن الوصول لكل شيء في الحياة سهلا، وكذلك بسبب قدرته على التنقل من محتوى إلى آخر، من حساب إلى آخر، من شخص إلى آخر، يظن تغيير الحياة شيئا سهلا. بل إنه يشعر بالإحباط بسبب ما ينشره الآخرون، وهو أغلبه مصطنع. لا يمكننا أن نتجاهل جهود صناع المحتوى النظيف، هناك من يقدم المحتوى الواقعي، وهناك من يحاول أن يخلق واقعا مثاليا لا وجود له. اختر ما يناسبك، في هذا العصر، لا قيود مفروضة عليك، أنت حارس عقلك، فاسمح لما تريد بالدخول.

أحب دائما لهذه التدوينات أن تكون مواسية ولطيفة. مع ذلك، أريدها أن تكون واقعية أيضا. هذا ليس عالم ديزني، لم نعد صغارا، وأصبحت الأيام تشبه بعضها، كما أصبح الذكاء الاصطناعي مفضلًا على التجربة البشرية الإبداعية. أصبح الروتين مهما لدى بعضنا، بينما الآخر لا يزال يبحث عن الدهشة. وحقيقة الأمر، أن كلاهما رائع، طالما وجدتَ راحة نفسك واستقرارها، ونموك الشخصي والذاتي، فأنتَ بخير. لا يوجد شيء واحد مطلق لنعترف أن شخصا ما ناجح. النجاح نسبي، ورؤيتنا له مختلفة.

في العام الجديد، ورغم تقلّب الحياة، أود أن تكون أيامي نزهة لطيفة، أمر عليها وآخذ ما يسعدني، كما أتعلم مما يصعب عليّ. كل شيء في هذه النزهة مؤقت، فلا حزن دائم ولا فرح، لا ناس باقون إلى الأبد ولا أصدقاء، لا تعب مستمر ولا راحة. هي نزهة كل شيء فيها عابر، أستمتع به، وأتعلم منه.

أريد روحا خفيفة، وعقلا هادئا، ومبادئ ثابتة، لا شيء يخيفني، ولا شيء يمكنه أن يزعزع هذا الأمان.

تقدّم الآخرون عليك.. لا بأس، هذه رحلتي ولي وقتي.

لدى الآخرينَ شهادةٌ وعملٌ ثابت.. لي وقتي الثمين وراحة بالي.

تزوّجَ ذلك الشخصُ مبكرا وله أطفال.. أُفضِّل الشخصَ المناسب ورزقي على الله.

لماذا تعملُ باجتهاد؟ لا شيء يستحق، جميعهم ممثلون بارعون.. العمل أمانة، الأمانة مبدأ، والمبادئ ثابتة لا تتغير.

هذا عالم قبيح، سيء، وغير عادل.. أعلم، لكنني أؤمن بمن خلق هذا العالم، ورغم كل شيء، أن لطفه يرعاني، فأنا رغم بشاعة هذا العالم، لا أزال على قيد الحياة، لي منزلي، وصحتي، وناسي، ومكاني، وكل النعم التي مهما أحصيتها لا أقدر على عدها. فشكرًا لك يا ربِّ على كل شيء، على الرضا الذي تعلمني إياه، على كل عقبة وضعتها في طريقي كي تجعلني أقوى، على الدروس التي مهما قست، صنعتْ هذا الإنسان الواعي، على الخيبات التي جعلت من هذا الشخص متوازنا واقعيا، يدرك حقيقة الحياة.

أرجو أن تكون نزهتكم خفيفة يا أصدقاء، وأن يكون كل شيء على ما يرام. قد لا تجدون من يقول لكم: لا بأس، سيكون كل شيء على ما يرام، أنت تبلي حسنًا، كل شيء مؤقت،... هذه التدوينة هي كفي الذي يربت على ظهركم، حينما لا تجدون من يواسيكم.

في النهاية، أود أن أختم التدوينة بقصيدة (رغبة بسيطة) من كتاب (إنها تمطر وهذي قصيدتك يا حبيبتي – نصوص شعرية من العالم):

"بعينين مغلقتين، أريد أن أرى العالم..

أريد أن أعبره بساقٍ عرجاء..

أذناي مغلقتان،

لكني أريدُ أن أسمعَ العالم..

رغمًا عن رغباتي المعطلة

أريد أن أشعر بهذا العالم.

أملٌ صغير قد يلغي كل أفكار التشاؤم

رغبة  بسيطة،

قد تمنحنا طموحًا أقوى في الحياة"

__________

حميدة

22 ديسمبر 2024م


الجمعة، 25 أكتوبر 2024

البئر

 القصيدة المشاركة في الملتقى الأدبي والفني للشباب (27) بولاية صور 2024م


البئر

مِنْ هَيكلِ الأوجاعِ أخرجُ حيًّا

مُتَمَدِدًا مِنْ جانبيهِ خَفيّا

 

صوتٌ قديمٌ ظلّ يصرخُ في دمي

فتحامَلتْ كُلّ الجهاتِ عَلَيّا

 

كانَ المكانُ كما الزمانِ عصيّا

وهُما هُما مَنْ داسَ فوقَ يديّا

 

ماذا أقولُ وفي الخطابِ رسالتي

والصمتُ من أعطى الخطابَ دويّا

 

الحزنُ أيامٌ مُؤجلةٌ لِمَنْ

ظنّ السعادةَ موقفًا أبديّا

 

هلْ في بيوتِ  الطينِ مِنْ أملٍ لِأنْ

تُخْفي العواصف فخّها الضمنيّا؟

 

ماذا عليّ مِنَ اللغاتِ فهنّ هنّ

خَذلنني، وكَسَرْنَ مِجدافيّا

 

قلبي وعقلي موصَدانِ بفكرةٍ

فقتلتُها؛ لأُعيدَ مفتاحيّا

 

ما كنتُ أعرفُ كم سَمَوتُ بقوّتي

لمّا تكاثَرَتِ النوائبُ فيّا

 

قد كانَ في قلبي الإلهُ .. وكنتُ في

قلبِ الإلهِ مكرّمًا وعليّا

 

وَلَكُلّ جرحٍ في الأساسِ حديقةٌ

لولا البكاء لظلّ فيّ عصيّا

 

فادخلْ لجرحكَ واغتسل مِنْ مائهِ

حتى تُداوي قلبكَ الدمويّا

 

وأنا انعكاسُ حقيقتي ووجوهِها

فادخلْ إلى قلبي تراهُ طريّا

 

ما زلتُ أرغبُ أنْ أعودَ لشرفتي

أطوي الزمانَ كما تجرّأ طيّا


مَنْ يهجُرِ الوطنَ الحبيبَ لمرّةٍ

سيعودُ مرّاتٍ .. يعودُ مليّا

 

من صُلبي الأرضُ استعادتْ أهلها

ماذا سيثني أصليَ الذهبيّا؟

 

الماءُ متّصِلٌ – فألقِ بنظرةٍ –

في بئرِ قلبكَ صافيّا وجليّا

حميدة

الجمعة، 19 يوليو 2024

وردة في البئر

وردة في البئر*

مرحبا يا أصدقاء، لا أحتفل عادة بذكرى الميلاد، لكنني أردتُ اليوم أن أكتب لي أولا: كيف بدت هذه الحياة خلال السنوات الماضية، وكيف أرجو لها أن تبدو خلال السنين المقبلة.

في البداية، أحب أن أعرّف نفسي غالبا بالشعر، لا بالاقتصاد والمالية: تخصصي الدراسي والمهني. خلال أيام الجامعة، كان يظن الكثيرون بأنني من كلية التربية أو الآداب، لأنني أتحدث بفصاحة، وكنت فردًا من جماعة الخليل، وجماعة الإعلام، وعضوا في فريق البودكاست الخاص بالجامعة، وكذلك أحد مقدمي فعاليات الجامعة الرسمية، كمراسم حفل التخرّج، ويوم الجامعة، وغيرها. أما بالنسبة للجانب الدراسي والمهني، كان الاقتصاد والمالية خياري منذ البداية. دائما لدي فضول تجاه المعرفة والأشياء الجديدة، وأظن بأنني أردتُ الاقتصاد، لأنني أعلم بأنه متجدد، ومستدام، وهناك الكثير ليقال ويكتب عنه. وهذا هو الحال الآن، وإلى الأبد. كان هذا أحد أسبابي أيضا لإنشاء مدونتي (موازنة) الخاصة بتطوير المحتوى الاقتصادي والمالي وتسهيله باللغة العربية.

مبكرًا،  بدأتُ العمل على خلق شخصيتي والعيش في عالمي الخاص، كنتُ أتعرّفُ على الاقتصاد حتى قبل أن أتخصص فيه، أذكر في فترة التدريبات قبل العمل، كنت أقبل بإعطائي مهامًا أصعب من مهام المتدرب؛ لأستطيع رؤية قدرتي على التعلم والاكتشاف. مارست التداول في الأسواق المالية العالمية بمعرفتي الشخصية، قرأتُ ست مسرحيات وقصيدة لشكسبير قبل أن أدرسهُ في الجامعة، حاولت حفظ إحدى المعلقات قبل كتابة الشعر، وقرأت الكثير من الدراسات النقدية في القصائد قبل المشاركة بأي مسابقة، أردت لمن يقرأ أعمالي أن يعرف بأنها تخصّني، دون أن يُكتب اسمي عليها.. هكذا دائما ما كنتُ أحاول أن أتقدم بخطوة زائدة على المسار.

فكرت مليا عما يمكنني أن أكتبه، مر الكثير من الوقت منذ آخر تدوينة كتبتها في كلتا مدونتي، وهذا العقل الجامح بالأفكار، يخبرني أن أكتب كل يوم، رغم جنون الحياة التي نعيشها، وأحيانا ندرة شرارات الإلهام اللامعة، فمع الانشغال بالعمل، والاستعداد للشهادة المهنية، والأمور الأخرى، يصبح الحفاظ على وقت الكتابة الثابت يوميا أمرًا صعبا. لكنني سأكتب هنا أفكاري الغريبة.

أكثر فكرة تراودني في ذكرى الميلاد هي: التقدم بالعمر. وكنت قد كتبت الفكرة ذاتها في تدوينة الميلاد الخاصة بعام 2018م. ترعبني فكرة أننا نكبر، ولا نستطيع إيقاف الزمن لنأخذ استراحة حينما نشعر بعدم جدوى الحياة. تستمر الأيام في المضي رغما عنا، لكننا أحيانا لا نستطيع أن نجاريها، فنأخذ استراحة محارب من طرفنا فقط، حتى نعوّض الأيام الفائتة بأيام أفضل. لكن كما يقول آوريليو آرتورو "الأيام التي تتعاقب يومًا بعد يوم، هي الحياة...".

إلى جانب ذلك، أظن بأن جيلنا والأجيال القادمة، محصورون في سباق الإنجاز، بل دُفعنا فيه رغمًا عنّا، ودون وعي، ينبغي علينا جميعا، أن نملأ سيرنا الذاتية بالإنجازات، وأن تكون صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بتحديثات السفر والمغامرات والأنشطة، وأن نقضي وقت فراغنا في تعلّم العديد من اللغات، وربما أن يكون لنا أصدقاء/معارف أجانب كي نستطيع التباهي أمام الآخرين بالـ(Networking) الخاصة بنا، وأن نمتلك مئات المواهب كي نكون أشخاصًا جديرين بالواقع المجنون الذي نعيشه.

كان هذا السباق الزائف -ولايزال-، كفيلا بجعلنا نعتقد أننا دون المستوى المتوقع، بل حتى أننا لا نجيد شيئا؛ لأننا مشتتون بين الكثير من الأشياء، وهي ردة فعل طبيعية لعقل الإنسان. هذا الشعور يوحي بالتأخر عن الآخرين، وبأننا لا نفعل شيئا كما يجب، جعلنا نتوق إلى -ولو القليل- من المدح الخارجي والقبول من الآخر؛ كي يؤكد أننا نبلي حسنًا، وهو أمر محزن ومحبط.

عندما أفكر في الحياة التي عشتها، أتذكرُ كم كانت حياة جميلة، مفعمة بالأنشطة التي طورتُ بها مواهبي، صقلتُ بها شخصيتي، والمسابقات التي تعرفتُ فيها على صديقاتي حاليًا، والتجارب الرائعة التي أصبحتُ من خلالها أنا الآن. لكنني كنتُ منهكة في نهاية المطاف من رغبةٍ في داخلي تريد أن تجعلني رائعة في كل شيء، حاضرة في كل شيء، بارزة في كل شيء كذلك. يظل صوتٌ ما في داخلي بإخباري، أنني يجب أن أكون مخلوقا يشبه الكمال، وفي الوقت ذاته أعرف بأنني لست ملاكا ولستُ آلهة أيضا.

نتيجة لذلك، دائما ما شعرتُ بالإعياء في أوقات الفراغ، أردتُ دائمًا أن أعمل، أن يكون في يدي شيء ما، لم أحتج للكثير من فترات الراحة. وكنت بذلك أفقد السلام الداخلي، وأتماهى في سباق الجيل المتسارع.

مع ذلك، يمكنني أن أكون صريحة مع نفسي بأريحية، دون أن أشعر بالتقليل. أدركُ أنني شخص رائع في كل الحالات، وأنني منذ البداية النجمة التي ولدتُ لأكونها.. لا يهم إن كانت حياتي أقل من الآخرين أو أحسن منهم، لا أعبأُ إن لم تمتلئ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بي بالكثير من التحديثات، لا يهمني أن أتكلم 6 لغات، وقد لا أستطيع قراءة مائة كتاب خلال سنة، ولا يمكنني أن أتقن باحترافية كل المهارات. أنا سعيدة وراضية بمساري الخاص وسباقي الشخصي، أشعر بأنني فزتُ حتى قبل أن أصلَ للنهاية؛ لأن عندي ما أحتاجه وأتقنه، ويكفيني ذلك لأعيش حياتي الخاصة المختلفة.

يسعدني أنني شخص محلّق، ويدفعني فضولي بالمعرفة لاكتشاف أشياء مختلفة دومًا، لذا أحب تجربة مهارات جديدة؛ لأتعرف على نفسي دون الشعور بالضغط. يمكن لإحدى قصائدي أن تكون أجمل من الأخريات، لايهم، ففي النهاية، أنا أملك الموهبة. يمكن للوحاتي ألا تكون مثالية، ومع ذلك أحبها، لأنني أستطيع دائما أن أرى الجمال في الثغرات. يمكنني أن أتعلم الأساسيات من أي لغة دون إتقانها 100%، أتقبل ذلك، ويسعدني أنني متمرسة في لغتي الأم. يمكننا دائما تقليل الرغبة بمعرفة كل شيء بتعلم الرضا، ووضع الأمور في سياقها الصحيح. 

أرجو أن أتيقن كل يوم، بأن لا شيء متأخر أومتقدم في حياتي، إنها الآن كما ينبغي لها أن تكون. ربما بعد عشر سنوات، قد أكشتف بأنني أرغب بممارسة الإعلام وصناعة المحتوى عوضا عن الاقتصاد، وربما بعد خمس عشرة سنة، أكتشف بأنني لا أرغب بالكتابة، بل بالرسم كموهبتي المفضلة. ربما تصبح لدي اهتمامات جديدة في المستقبل حول التغذية، والفلسفة، والعلوم، ... لا بأس بذلك، ولن أكون متفاجئة أيضا، هكذا نعيد اكتشاف ذواتنا، في طور الحياة الرتيب الممل.

أريدُ لمساحة صبري بأن تتمدد، ولقناعتي أن تتوسع، وللرضا في قلبي أن يكبر.. لا أرغب بشيء أكثر من أن أعيش في اللحظة الحالية، لا يهمني الماضي، تعلمت منه وانتهى. ولا أرغب بالتخطيط القاسي والمفصّل للمستقبل، فلا شيء سيحدث إلا ما كُتب لنا. يكفي وضع خطط تفصيلية للأسبوع أو الشهر، وخطط عامة للسنوات القادمة. عوضا عن وضع مئات الأهداف، الاجدى هدفان أو ثلاثة، أعمل عليهم بكل كفاءة، ويكفي ذلك لأشعر بالفخر بنفسي؛ لأن الحب يضيء كل شيء.

أكتب كل هذا، وأعلم أن الأمور قد تصبحُ صعبة، قد لا أحقق ما خططتُ له، ومجددا، سأظن أن الماضي كان أفضل، وبأن الرغبة بمعرفة كل شيء تنقرُ في رأسي. لكنني أبذل قصارى جهدي لأن تكون الدروس القيّمة التي تعلمتها مؤخرا، هي إرشادي طوال الطريق. أخبرني أحد معارفي بأننا رائعون بإنسانيتنا، ولا يمكننا أن نمحو أحد مشاعرنا لأننا لا نرغب بها. فمع الحزن يأتي الفرح، ومع الشدة يأتي اليسر، كما مع السهل يأتي الصعب، ومع النجاح تأتي الخسارة. كل ما سبق ليس سيئا بالمناسبة، إنها مراحل تعلمنا الدروس، لكننا بطبيعتنا نحب أن يكون بمقدورنا توقع المستقبل، وما ستؤول إليه حياتنا.

حميدة

الجمعة – 19 يوليو 2024م – ذكرى الميلاد

_________________

* بالمناسبة، هناك قصيدة جميلة أحبها، للشاعرة أليس والكر، اسمها (حفرة تشبه البئر الصغيرة)، قرأتها ضمن مجموعة نصوص شعرية مترجمة من العالم في كتاب "إنها تمطر .. وهذه قصيدتك يا حبيبتي". تشعرني هذه القصيدة بالدفء في يومي الخاص، أحبها كثيرًأ لأنني أشعر وكأنها تصف شخصيتي.. أضع لكم جزءا منها هنا:

"أمنيتي

هي نفسها دائما

أينما كانت حياتي،

أريد أن أقف على أصابع قدميّ

وقريبًا، أزرع جسمي كلّه

في الماء.

يبدو من المستحيل

أن تتحول رغباتنا إلى صلاة وتقوى!

لكنه يحدث أحيانا:

في حديقة قلبي،

أرى حفرة تشبه البئر الصغيرة

كنتٌ أهتمُّ بها،

ها قد نمت في القلب،

لكي تملأه".

 

وهذه التدوينة هي وردتي، أخرجها من بئر قلبي، لكم. إن كنتم قد وصلتم بالقراءة إلى هذا الحد، فإنني شاكرة لكم محبتكم، وممتنة لوقتكم الذي منحتموني إياه. أرجو لكم الخير والبركة في أيامكم يا أصدقاء.

مع محبتي..

 

emerge © , All Rights Reserved. BLOG DESIGN BY Sadaf F K.