شُرفة | قصة قصيرة
القصة الفائزة بالمركز الأول فرع القصة القصيرة بمسابقة ملتقى وطيس الأدبي السادس 2018
________
شُرفَة
حميدة
شُرفَة
في المدينة الرمادية المعزولة عن العالم
الآخر، حيثُ أصواتُ المروحيات والدبابات ترنُّ في أذن سمائها، في حين تبدو القذائف
والرصاصات كالألعاب النارية في الجو، وصلتُ إلى البيت عقب نهارٍ لذيذ التعب،
ووقفتُ ذلك اليوم شاردةً أبحثُ عن نهاية الأفقِ في حسرة، متشبثةً بقضبانِ الشرفة
المهشّمةِ الأضلاع، يتساقطُ من تحتها بقاياها وأشلاؤها. شرفةٌ مُغْتَصَبَة!
بينما مررتُ ناظري إلى الأسفل، وأنا أُحْكِمُ
الإمساكَ بالقضبان خوفًا من التهاوي والسقوط، رأيتُ الرماد والأنقاض تحتي، ومنظرها
لا يقل وجعًا عن جثث الشهداء. أمعنتُ النظر قليلًا، مددتُ بصري إلى سطح الرماد، فرأيتُ
خاتم أبي، أو بالأحرى رأيتُ حجر الفيروز الذي يتوسطه، كان كقطعةٍ صغيرةٍ اقتُطِفَتْ
من السماء، وغُسِلَت بالبحر.
ثم إلى جانب اليمين من الأنقاض، رأيتُ كفَّ
أخي الرضيع مخضّبًا بدمائه، وعروقه تبدو جليةً واضحةً لا يزال يتدفق منها بعض
الدم. نظرتُ إلى كفه وعيناي تكادان تخرجانِ من حجريهما، فشهقتُ بشدة حتى آلمني
قلبي، ثم وضعتُ كلتا يديَّ على فمي وأحكمتُ إغلاقه؛ كي لا أصرخ وأُفْجِعَ الجيران
الذين ربما حلّقتْ أشلاؤهم إلى المقبرة، وانبعثت أرواحهم إلى السماء.
كنتُ أرتجف، أرتجف بشدة. نزلتُ إلى الأسفل
لأطمئن على الباقين من أسرتي، وجدتُ أمي في الطابق الأول، جالسةً على الكرسي
المتحرك، ورأسها متكئٌ على الجدار. كانت تبدو هادئةً للغاية، شاحبةً للغاية. وقفتُ
عند باب الغرفة والخوف يعصرني، ثم ناديتها بصوتٍ ضعيف مرتجف: " أمـ.. أمي!..
" لكنها لم تُجِب ولم تتحرك. اقتربتُ منها قليلًا، فوجدتها مغمورةً بالتراب
والدم، لم أستطع إيجاد وجهها خلف هذا المزيج. مددتُ إحدى يديّ في قلقٍ لألمس يدها،
وحينما تحسستها وجدتها باردةً جدًا، فرفعتُ يدي عنها بسرعة، وأنا أضع ذات اليد على
قلبي المحترق. سقطتُ على الأرض، لم أستطع حمل نفسي، لم أستطع الوقوف، فزحفتُ إلى
الغرفة المجاورة، حيث إخوتي الصغار، ولم أجدهم.
تمسكتُ بالجدران، أو بأنصاف الجدران
المتبقية، وهرولتُ إلى خارج البيت، فتعثرتُ بحذاء أخي وسقطتُ على وجهي، عندها
بكيت، بكيت كثيرًا، ولم أستطع كتم صوتي فصرختُ بأقوى ما عندي، صرختُ بحسرة وألم،
صرختُ إلى أن انهدت قواي ولم أجد أحدًا بجانبي. لم يأتِ أحدٌ لإنقاذي أو مساعدتي،
بينما الشرفة يقطرُ منها التراب، لقد كانت تبكي معي. تلك الشرفة المُغْتَصَبَةُ
تبكي معي، تواسيني، فمثلما فقدتُ أسرتي، فقدتْ هي أصحاب المنزل.
نمتُ على صدر أبي المختبئ تحت التراب. لم
أستطع إيقاف الدموع والأنّات التي تخرج مني. كنتُ أريدُ أن أُرِيَ أبي أنني حصلتُ
على العلامة الكاملة في الاختبار عند عودتي من المدرسة، لكن القصف لم يتح لي أن
أفاجئ أحدًا، بل كنتُ أول من تفاجأ!
...حميدة
قصةٌ تحمل الوجعَ المكتنزَ في شرفةٍ حكت الكثير من التفاصيل الصغيرة التي لا تموت في قلبِ قارئها.. لكِ الله يا شام ويا يمن ويا غزة ويا كل بقعةٍ يقبعُ فيها وجع الحربِ والقصف!
ردحذف