ألم ومشفى

ألم..

هل جربت أن تعيش في مجتمعٍ لا تنتمي إليه؟ هل جربت البكاء حدّ الاختناق وأنت تكتم أنفاسك وتتوجع وما من أحد بجانبك أو يشعر بك؟ هل جربت مرارة أن يسخر منك ويهزأ بك أقرب الناس إليك؟ هل جربت الظلم والتفرقة والطبقية في المعاملة؟ هل شعرت يومًا بألم الوحدة؟ ماذا عن شعور الغربة وسط آلاف الناس الذين تعرفهم؟
إذا لم تجرب شيئًا من كل هذا، فلا تطلب مني - بكل سهولة - أن أبتسم، لأنك تسخر من نفسك قبل أن تؤذيني بطلبك الغريب. ولا تقل لي بأنني معقّد أو مجنون أو مكتئب، هذه الحياة قست عليّ كما فعل البشر والظروف. ثقلها كله على قلبي، ولا أشعر دائمًا إلا بالسوء أو الحزن، وهذا كله يجعلني هشًا ومتراخيًا. إنني أكذب على نفسي حينما أشد بأسي وأتماسك، في كل لحظة أتماسك فيها، يُكْسَرُ شيء ما بداخلي، وتتوالى الانكسارات، ولا أعلم ماذا بعد ذلك.
أشعر بالخوف، بالوحدة والقلق. ليتني أستطيع التوقف عن التفكير، ليت عزاءاتي تسعفني، ليتني أبكي عند رغبتي بالبكاء، عوضًا عن الانهيارات المرهقة. لا أريد تعاطف أحد، أنا لستُ مريضًا، أنا شخص طبيعي، لكنني مخذول، محبط، مكسور، متعب، ولا أحد ولا شيء نجح في جعلي سعيدًا طوال الفترة الماضية.

مشفى..
أجلسُ في الانتظار، لأكثر من ساعتين، لمراجعة الطبيب. أتشائم من المشفى، وتشعرني رائحتهُ بالغثيان. أصوات الأطفال وبكاؤهم، تردد المرضى في الحالات المزرية، ودخول الممرضين وخروجهم، وقع الأقدام، أصوات الأجهزة،... كل ذلك يصيبني بنوبات خوف وقلق.. أتسمّر في مكاني، ينبض قلبي بشدة، لا أشعر بأطرافي، أفكر بالألم الذي سأشعر به.. "لحظات وسينتهي كل شيء".. لكن من يقنع عقلي بالتوقف عن التفكير؟ من يقنع حواسي أن هذا الألم لا يَقْتُل؟
ينادي الطبيب الأسماء، فأشعر أن دوري يقترب لدخول جهنم. أتشائم من المشفى للدرجة التي تجعلني أفضّل أن أتعذّب بآلامي وحدي، عوضًا عن ألم وحيد سيخفف العذابات المتتالية.

حميدة
20 يناير 2019م

تعليقات

  1. كلمات جميلة ، لامست قلبي برقتها👌

    ردحذف
  2. للأسف جربت :( مدونتج جميلة و روحج أجمل اكثر اتمنى لج السعادة في حياتج يا صديقة

    ردحذف
  3. ماشاء الله كلام عجيب من امراء جميله

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدائرة

عقل مشوش في رحلة الحياة الوديعة

"الأيام" الأخيرة لطه حسين