غرفة عذابٍ ضيّقة
(مذكّرات
شخص وحيد)*
لطالما
كان مفهوم البيت غير واضحٍ بالنسبة لي، ومذ كنتُ صغيرًا، وأنا مولعٌ بمعرفة كيف
تبدو الحياة خارجه.
كل ما
مررتُ به في حياتي، جعلني أخلق مشاعر مضادة تجاه مفهوم البيت، فهو على كبر مساحته
لا يعدو كونه غرفة عذاب ضيّقة - بالنسبة لي -. إنني أتذكر جيدًا أوقاتي الحزينة
فيه، الأوقات الصعبة التي كنتُ أقفل فيها الباب على نفسي وأشرع بالانهيار والبكاء
لساعات طويلة دون أن يعلم أحد في غرفة العذاب هذهِ أنني أتألم.
كنت
نادرًا ما أشتاق إليه، ولطالما كان شعوري نحوه متشائمًا، فعندما أخرج منه، أشعر
وكأنني هاربٌ عليه أن يعود رغمًا عنه؛ لعلمي بأن العودة إليه محتّمة لا إرادة لي
فيها. وما كان يزعجني دومًا، هو ملاحقتهُ لي في أفكاري، فما إن أخرج منه حتى يظلّ
شبحه يعوي في رأسي وينهش كالوحش. ويا للأسى، هذا الشبح لا يتوقف إلا عندما أعود
إلى البيت. وهذا ما كان يجعلني دائمًا أمام الواقع الذي يفرض أن احتمال الخروج
مجددًا أمر صعب للغاية.
كان
هذا الحصار شاقًا عليّ، فأصحاب هذا البيت أشدّاء جدًا، يتبعون طرق العذابِ ذاتها
التي كان الشبحُ يفعلها في الرخاء والشدة. مرت أيام عديدة كانتْ غرفة العذاب تمسح
فيها هويتي، وتجعلني شخصا بائسا ومهترئا من الداخل، الأمر الذي انعكس على خارجي
أيضًا، وأصبحتُ بذلك متعبا دائمًا وخائر القوى. البيت بالنسبة لأصحابه استقرار ودفئ،
مكان تود العودة إليه في آخر اليوم، أو بعد الهرب على أبعد تقدير. لكنه بالنسبة
لي، كان – كما أسلفت – غرفة عذاب ضيّقة، تشتعل وتضيق أكثر بسخط أصحابها وشبحها. إنه
ليس أكثر من مجرد ضيقٍ أرجو لو أنني أتمكن من الهرب منه للأبد، أن أمحوه من
ذاكرتي، ألّا أظل أفكر في المساء بالعودة إليه ولا في قضاء المزيد من الوقت فيه.
أصبح
مفهوم المنزل بالنسبة لي عدائيًا وسلبيا، لا أحبه ولا أحتملُ سماعه. إنني لا أرغب
حتى برؤية بيت سعيد. أريد فقط، مساحة جديدة هادئة، بعيدًا عن غرفة العذاب الضيّقة
التي أتلاشى فيها الآن.
_____
_____
*هوامش
ما هو
(البيت) المقصود في التدوينة؟
ليس بالضرورة
أن يكون البيت هو المكان الذي نعيش فيه، الحجارة المتراصة والغرف والأشخاص. ولكن يتعدى
البيت هنا المفهوم المادي لينتقل إلى مفهوم أوسع. اخترت في هذه التدوينة عنصرًا جديدًا
(مذكرات شخص وحيد)، وأريد استخدام هذا الشخص لأكتب عن معاناته المختلفة التي قد تمثل
معاناة أشخاص كثر في الحياة.
البيت هنا
قد يتمثل في تجربة قاسية يمرّ بها الإنسان، ورغبته الملحّة في التخلص من هذه التجربة
جعلته موهمًا أنه لا خلاص منها، وأنه مهما حاول الابتعاد عنها، فسيظل شبحها لاهثًا خلفه
لا محالة. إذ أن ذكريات الإنسان السيئة قد تبقى لفترة طويلة في باله نتيجة وعيه عليها،
وفي كل لحظة سعيدة تباغته هذه التجربة الصعبة، والتي يحاول دائمًا أن يكتم طنينها.
أيضًا قد نستطيع إسقاط هذه التدوينة على أشخاص كانوا يعنون الحياة أو الأمان بالنسبة
للإنسان، ولكن تحوّلات الحياة، وربما تمرّد الإنسان جعله لا يدرك مشاعره الحقيقية تجاه
الآخرين الذين كانوا مقربين منه. يمكن إسقاطها على أكثر من مشهد وأكثر من موقف. هذه
النصوص الهلامية تتشكل حسب تفكير القرّاء.
حميدة بنت محمد بن صالح العجمية
السبت - 6 يونيو 2020م
تعليقات
إرسال تعليق