الفصل الأخير من تخصص الحُلم الجميل والحياة!

مرحبًا!

هذا هو اليوم الدراسي الأول من الفصل الأكاديمي الأخير لي في جامعة السلطان قابوس - طيّب الله ثراه - بتخصص الماليّة. وكما هو الأمر في هذه الأيام، فإننا نكمل التعليم عن بعد، بسبب تفشي وباءٍ حاد عمّ أرجاء العالم، ولم يبق مكان في هذه الدنيا إلا ووصل إليه.

صحوت مبكرًا، بالرغم من أن مدرّس المقرر قد وضع جميع المحاضرات في المودل (منصة التعلم الإلكترونية). كنت أفكر طوال الوقت، وهذه عادتي في تناول الأمور، وربما الإفراط في ذلك، ولا أدري لماذا كنت أفكر كثيرًا فيما بعد الفصل الدراسي الأخير! ولقد شعرت أيضًا ببعض الهواجس التي لم تكن كلها إيجابية في الواقع، لأنني أريد وضع كل الاحتمالات أمامي: ماذا لو لم أنجح في كسب المزيد من الدرجات لرفد معدلي الدراسي؟ كيف سيمضي الفصل وسط هذه الأجواء من الرتابة والتقوقع في المنزل؟ إلى متى سيظل الوضعُ كلُّه (أونلاين)؟ كيف سأعوّض عن الخطط التي وضعتها لهذا الفصل وقد تلاشت بسبب البعد، ما هو شعوري بعد أربع سنواتٍ ونصف من تجربة الدراسة الأكاديمية، هل أبدو مختلفة عمّا قبل؟

أشعر بفقد كبير للمكان الذي كان مصنعًا لقدراتي الفكرية وأرشيفي المعرفيّ، فلو كانت الأمور على طبيعتها، لكنّا الآن في الجامعة، ألتقي بصديقاتي، نضحك ونتحدث، نبحث عن رقم القاعة الدراسية، نحضر كتبنا من المخازن ونحن نقف في طابور طويل، ندردش إلى حين يأتي دورنا، نتحدث عن المدرّس الذي ندرس معه للمرة الثالثة، وأنه ما من خيار آخر إلا الدراسة معه بسبب تدريسه لمعظم المقررات، عن التغيرات التي حصلت في القسم، وعن خططنا لإدارة الفصل الدراسي، وتحدياتنا التي مررنا بها في السابق، وعن ولائنا لبعضنا حول كوننا فريقًا واحدًا نعد مشاريعنا معًا منذ أول يوم في التخصص، وإلى اليوم الأخير فيه.

كنت في السنة الماضية، أفكر كثيرًا في الكيفية التي سأصنع بها فصل التخرّج، وذلك بقضاء المزيد من الوقت في الكلية، مع الأصدقاء والزملاء والأساتذة، وكذلك بالتخطيط مع مرشدي الأكاديمي - الذي لم يكن يومًا مرشدي في التقارير والنظام، إنما أنا اخترته ليكون كذلك لأنني أؤمن بأحقيتي في الاختيار - حول مهاراتي في التداول، والدروس الخارجية عن الاستثمار، والقراءات حول مواضيع الاقتصاد وتوزيع الثروة والدخل، وعن ما بعد المرحلة الجامعية: سوق التوظيف والعمل، وعن شعوري الحالي في المرحلة الانتقالية، والتهيئة للمستقبل. وكذلك بحجز عدد من المواعيد في مركز التوجيه الوظيفي، لأستطيع إعداد نفسي لاستقبال ما هو قادم.

فكرت أيضًا بقضاء المزيد والمزيد من الوقت في المكتبة الرئيسية، التي كنت أزورها نادرًا، لكن زياراتي المحدودة إليها كانت مطولة. عندما أصل، أذهب للبحث عن الكتاب الذي كنت قد خططت لقراءته، أبحث عنه في الرفوف، وأمر أيضًا على صف كتبي المفضلة الذي أحفظ مكانه عن ظهر قلب، حتى بدون قراءة رمزه، وأذكر أنني تعرّفت عليه عندما رأيت كتب الأعمال الكاملة للشاعر عبدالله الخليلي. وبعدما أحصل عليه، أجلس في الطابق الأرضي على الكراسي الخضراء، لساعات متواصلة، كل شيء حولي كان في حركة مستمرة، لكنني كنت أكثر الأشياء ثباتًا وسكونًا، في المكان الذي أحب. كنت أيضًا قد فكرت بجديّة في استكشاف الأماكن التي لم أدخلها قط في الجامعة، ككلية الطب مثلًا، وكذلك الأماكن المجاورة للقاعة الكبرى مثل قاعة كبار الشخصيات، وأيضًا أسقف الممرات المتواصلة.

أردتُ بشدة أن يكون هذا الفصل في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، بالقرب من الأشخاص الذين أحبهم، لكن الأمر لم يكن كما نحب، ليس وكأن لأحدنا الخيار لفعل ما يشاء. أشعر بأن الواقع الذي نمر به حاليًا هو صفعة لأحلامنا الوردية التي ننسجها بـنَهَمٍ في مخيلاتنا، ففي الوقت الذي تناسينا فيه مرارة الدنيا وتحدياتها، متخيّلين الحياة جرّة عسل صغيرة حُلوة، لم يخطر على بالنا أن نتقبل - بإرادتنا - فكرة أنها قد تنكسر حتى ولو حافظنا عليها.

هذه هي الأشهر الأربعة الأخيرة التي سأكون فيها طالبة ماليّة في المرحلة الأخيرة، لأن ما بعد ذلك، وفي بداية العام المقبل، سأكون خريجة حديثة، أو - لا قدّر الله - باحثة عن عمل. ربما استبقت الأحداث كثيرًا بالتفكير حول ما بعد التخرج في الوقت الذي يجب فيه أن أصنع ذكريات الفصل الأخير، بحضور المحاضرات والمذاكرة والاجتهاد والتخطيط للمشاريع. أعرف ماهية شخصيتي الشغوفة بالتخصص، المحبة للتعلم، الراغبة بالمرونة وإعادة التشكّل، المتقبّلة لما هي عليه. وفي الوقت ذاته أيضًا أفكر بالآخرين الذين يملكون ما أملك، ولا يزالون في نفس المكان، في دوامة لم يعرف أحد كيف ومتى بدأت.

على كلٍّ، لن أستطيع منع من أفكاري من التحرك حتى ولو طردتها بالكتابة أو التحدث عنها بصوت عالٍ، الفكر الحر مهما كان، لا يمكن إيقافه. استغرق مني العمل على كتابة هذا الكلام ساعة من التفكير، وساعة من الكتابة، والفكر يتكافأ مع الكتابة.

آمل حقًا أن يمضي هذا الفصل على ما يرام، دون تعقيدات أو ذكريات سلبية، دون أن أتوقف في المنتصف وأشعر بالضياع أو الانكسار، ودون أن ألتفت للخلف لأسأل: هل مضى كل شيء على ما يرام، أم أنني فقط أمشي لأن الجميع يفعل ذلك، دون أن أعبأ بشعور اللحظة.

 

أرجو لكم التوفيق أيها الأصدقاء الأعزاء .. تحياتي،

 

حميدة

20 سبتمبر 2020م


تعليقات

  1. احببت كتاباتك استمري
    ربي يوفقك في اخر فصل لك ����

    ردحذف
  2. جميل ماشاءالله والله يرفع الوباء ورح نرجع ندرس ونتنافس وربي رح يسهلها علينا هي فتره ورح تعدي 😊

    ردحذف
  3. لديك مقدره رائعة في سرد يومياتك وخلجات نفسك الجميلة الكتابة تحملين فيها براءه المشاعر تجاه المكان وتجاه الشخوص المرافقه لمسيرتك الدراسية

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدائرة

عقل مشوش في رحلة الحياة الوديعة

"الأيام" الأخيرة لطه حسين