مذكّرات اليوم الماطر

يدخل الشاب إلى مقهى في آخر الشارع، هو لا يشرب القهوة ولا يحبها، لكنه فقط يبحث عن مكان ليكتب شيء ما إلى حين توقف المطر. يفتح الباب ويسمع صوت الأجراس اللطيفة المعلقة فوقه، لتنبّه الباريستا أن أحدا ما قد دخل. "Hello sir!" قالها الباريستا مبتسما، لكنه تجاهلهُ، ومضى يبحث عن طاولة بعيدة عن الأنظار، ثم جلس. فتح مذكراته وأخذ ينفض ثيابه المبللة كي لا تتسخ أوراق المذكرة بكمه المبلل. رفع كمي قميصه وأظهر يدين عاريتين وشرع بالكتابة. 

كان المطر يتساقط باستمرارية في الخارج، وبدا مظهر الزهر قرب النافذة وهو يغتسلُ جميلا، بينما كان الوضع في الداخل هادئا جدا ودافئا، وموسيقى الجاز تتحرك بسلاسة في الأرجاء، في الوقت الذي غمرت فيه القهوة المكان كله بالرائحة. لم يكن هناك أحد في المقهى بعد، وهو ما كان باعثا على الراحة للشاب.

كتبَ: "لا أعلم لماذا توقفتُ في مقهى بينما أنا لا أحب القهوة، ولكن أظن أنني لم أستطع مقاومة رغبتي بالكتابة. أنا إنسان في نهاية المطاف، لكنني لا أستطيع الشعور إلا بأنني وحش، مسخٌ شرير وجانح، لا يستطيع التحكم بغضبه، ولا بِجَـلْـدِهِ لذاته، ويحط من قدر نفسه باستمرار..."

جاء الباريستا "Sir, do you like to order?"، وقد فزع الشاب قليلا، لأنه قد دخل للتو في جو الكتابة، فهز رأسه بالنفي دون أن يقول كلمة وأعاد انتباهه لمذكراته. ثم أكمل: "لقد مرّ قبل قليل معدُ القهوة وقاطع هدوئي، ولأنه شخص غريب فأنا لا أستطيع أن أصرخ عليه، أنا فقط يجب أن أكبح نفسي أمام الآخرين وأبدو رائعا، بينما أنا أصرخ بأعلى صوتي على من في المنزل، أنا ذلك الوحش في بيتي، وهذا سببٌ يجعلني أكره نفسي ولا أستطيع التعاطف معها".

تنهّد قليلا وهو يمرر ناظريه في الأرجاء، لم يدخل الشاب الكثير من المقاهي في حياته، لكن لم يكن المقهى سيئا كما اعتقد. أكملَ كتابته: "لا أعلم ما الذي يمكنني فعله، ولا أستطيع التعاطف مع ذاتي، أنا مشوش جدا ويائس، بل إن يأسي من الحياة يجعلني غير راغب بالتحكم بتهاون نفسي وجموحها. بل أسوأ من ذلك هو أنني سمحت لنفسي بالتهاون والارتخاء كي أتعاطف معها، ولا أستمر في كوني مثاليا وناضجا، لكنني الآن – ويا للسخرية! – لا أستطيع التعاطف مع نفسي الهائجة الجانحة التي سمحت لها بالتهاون!".

جاء بعض الناس للمقهى، لكنهم كانوا هادئين أيضا، طلبوا بعض المناشف ليمسحوا الماء من على ثيابهم وأجسادهم المبللة، وطلبوا شيئا دافئا للشرب. توقف الشاب عن الكتابة وأخذ يراقبهم من مكانه المنزوي والبعيد. بعد دقائق من السرحان في الآخرين، عاد إلى مذكراته وأكمل: "أظن أنني يجب أن أعود لتطوير ذاتي وإقناعها بأنني شخص مهم. لماذا لا أحترم ذاتي وأقدرها؟ - هل لأن شكلي لا يعجبني؟ من حكم بأنني قبيح؟ أنا حينما أشعر بذات منخفضة؟ أمي حينما تقارنني بالآخرين؟ التقليل من قدر نفسي لأنني بسيط ووحيد؟ - هل لأنني ضعيف؟ من حكم بذلك؟ أنا حينما أشعر بالتوتر والاختناق أحيانا؟ الناس حينما يتعاطفون معي؟ هل أبدو مثيرا للشفقة؟ - هل لأن لا أحد يهتم لأمري وأنني أشعر بأنني عبء على أصدقائي المرحين؟ هل اشتكى أصدقائي بأنني ثقل عليهم؟ هل فعلوا ذلك يوما؟ ...".

توقف قليلا حينما تحركت أجراس الباب مجددا بعد خروج أحد زوار المقهى، ثم التفتَ نحو النافذة، وكان المطر لا يزال يهطل، لكن بحدة أقل. فختم مذكراته بالتالي: "ما الذي أريده؟ أكره كل شيء وأعتبر كل شيء سببا ليأسي، والأمر أنني مهما فعلت وأينما ذهبت، لا شيء يمضي على ما يرام! أتسائل فقط لماذا لا يمضي كل شيء كما نحب؟ يقولون أننا نحصل على ما نحتاج لا ما نريد، إذًا لماذا كل ما أحصل عليه الآن لا أحتاجه، بل وأكرهه أيضا! لهذا السبب لا أشعر أنني إنسان، أنا مجرد وحش هائج وبائس...". اختنق مجددا ببؤسه، فمزق صفحاته التي كتب فيها، وأغلق مذكراته. همّ بالخروج، ولكنه قبل ذلك رمى صفحاته في القمامة، ونظر إلى الباريستا الذي كان يراقبه بابتسامة عريضة، فتجاهله مجددا، ورحل.

لم يكن أي شيء ليعجب الشاب اليائس، هي فقط رحلة من رحلاته الصغيرة القصيرة، في أيامه الماطرة التي لم تعد مثيرة للدهشة. وأي جرح هذا الذي يجعل شخصا ما يفقد محبته للحظاته الخاصة المميزة؟

                          

_____________________

حميدة بنت محمد بن صالح العجمية

17 يوليو 2021م


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدائرة

عقل مشوش في رحلة الحياة الوديعة

"الأيام" الأخيرة لطه حسين