بنتُ المكتبة وأختها

29 سبتمبر 2021م: اليوم الذي أجيء فيه إلى المكتبة يوم سعيد، حتى ولو كانت بدايته عكس ذلك. أخرج من غرفتي وأذهب إلى مركز الدراسات العمانية؛ وفي ذهني أن أقرأ كتاب (قرنفلة عمانية في هامبورج). وقتها كنت قد انتهيت مسبقا من قراءة الأجزاء الثلاثة لمذكرات أميرة عربية للسيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان. وفي آخر يوم في زيارتي الجميلة للجامعة، التي امتدت لحوالي شهر، أشعر بأنني امتلكت حظا مميزا للحظة، منذ أن تلطّخت الحياة بالركود بعد الجائحة، شهر جميل قضيته بين المشي الليلي البانورامي في الجامعة، وبين المركز الثقافي.

احتجتُ العودة إلى ذكرياتي كي أرتب السرد هنا، لكل زيارة خاصة صورة، واقتباسات، ومشاعر عميقة، ولحظات دافئة، في ذلك المكان الذي أزهرُ في قلبهِ الكبير، وأردت هنا أن أضع زياراتي المميزة منذ عرفت المركز الثقافي وزرته للمرة الأولى.

لا أنسى أعمال جبران خليل جبران التي قرأتها، وقد قضيت ساعات طوال في إنهائها حتى أتممتُ أغلب أعماله، الموجودةِ في مجلد أعماله العربية، ومجلد أعماله المترجمة عن الإنجليزية إلى العربية. وفي المجلد توجدُ صور له، ولعائلته، وبيته، وذكريات أخرى. أحب جبران كثيرا، ويعجبني أدب المهجر بشكل عام. ربما الملفتُ في هذا الأدب بالذات، هو غرقه في الفلسفة والتصوف والفن، واستخدامه لمصطلحات من أصلِ هويتهم، مثل: الهيكل، الوادي، الفضاء، الألوهة، النفس، الفضيلة، ... وفيما يسرده جبران، عزاءٌ ومواساة أحتفظ بهما للأيام الصعبة. أذكر مثلا المقطع التالي: " لقد مللتم سكوتي وتكتمي، وضجرتم من تنهدي وتململي. وقال بعضكم لبعض: إذا كان لا يُدخلنا هذا الرجلُ إلى هيكل أوجاعه، فكيف نستطيع الدخول إلى بيت مودته؟ ". وأيضًا: " إنما الزهرة وعطرها شيء واحد، فالأعمى الذي ينكر لون الزهرة وصورتها قائلا: ]ليست الزهرة سوى عطر يتموج في الأثير[، ليس هو إلا كالمزكوم الذي يقول: ]ليست الأزهار غير صور وألوان[ ".

وبالمناسبة، يذكرني الحديث عن جبران بكلام قد قرأتهُ في رواية العصفورية للدكتور غازي القصيبي، في المكتبة كذلك، ذَكَـر كلاما بما معناه أن جبران كان يعتقد بأنه وسيم، ولم يتفق معه أحد في هذا الرأي إلا مي زيادة التي أحبتهُ، والخواجات العجائز! وقد بدا الأمر مضحكا حينما قرأت ذلك. والنسخة التي قرأتها من كتاب العصفورية في المكتبة الرئيسية، كانت ملكا للدكتور عبدالمنعم الحسني، وزير الإعلام سابقا، حيث كان اسمه مكتوبا على الصفحة الأولى. وكنت التقيت به مرة فأخبرته عن الأمر. قال مازحًا: كيف أستعيد نسختي؟ ثم أخبرني عن إهدائه إياها للمكتبة، وكان قد اشتراها من لندن في 14 أبريل 1997م.

بما أنني أكتبُ الشعر، حرصت على إيجاد أعمال الشعراء من المكتبة، وقتها قرأتُ لمحمود درويش، وعبدالله البردوني، وأبي القاسم الشابي، وبعض الكلاسيكيين والشعر المترجم. لطالما كان محمود درويش شخصا مميزا بالنسبة لي، وأقتبس الكثير من أعماله. ففي كتاب (أروع قصائد محمود درويش)، قيل في المقدمة بما معناه أن شِعر محمود أحيانا غير مفهوم، ولا يشير إلى معنى واضح. وفي الكتاب نفسه وجدتُ أروع القصائد التي كان معناها يأتي سبّاقًا – بالنسبة لي – قبل أن يكون رصًا من الكلام غير المفهوم كما ذُكِـر. مثلًا، أضع لكم هذا الجزء:

" عندما كنتُ صغيرا، وجميلا

كانت الوردةُ داري، والينابيعُ بحاري.

صارتِ الوردةُ جرحًا

والينابيعُ ظمأ. "

هذا المقطع قد يكون إشارة إلى حياته الوادعة في بلده، والأشياء المألوفة التي اعتاد على أن تشعره بالسعادة، والتي تحولت فجأة إلى ذكريات، تصيبه بألم، وكأنّ ما اعتاد عليه مثل الوردة والينابيع (وهي رموز) أصبحا جرحًا وظمأً بعدما كانا دارًا وبحرًا.

أوردُ أيضا هذا المقطع الخلّاب من قصيدتهِ (هذا خريفي كله)، حينما قال:

" هذا خريفي كله

أعلى من الشجرِ المذهّبِ، أين أذهبُ حين أذهبْ؟

في حضن سيدتي مكانٌ واسع لقصيدتين، ولموتِ كوكبْ

كل الشوارعِ أوصلت غيري إلى طرفِ السماء

فأينَ أذهبُ، أين أذهبْ؟ "

هذا المقطع بنغمته الخارجية مهما كررتَه فلن تَملّه، بل إنني أسمعه الآن في أذني كما قرأتهُ أول مرة. من جانب المعنى، أظن أن محمود جعل قصائده مفتوحة، وغامضة، يمكن لأي أحد أن يؤوِّلها كما يقوده فهمه. بالنسبة لي، أجد أن ضيق المكان والزمان عليه، يجعله يتسائل عن المدى الذي يستطيع الوصول إليه. وعن الفكرة التي يحملها السطر الثالث، حيث في مكانِ سيدته (قد تكون امرأة، أو الوطن، وربما المنفى) يوجد متسع لقصيدتين وهو قدر قليل من الفرحة والأمل، يقابله متسعٌ شاسعٌ لموت كوكب وهو مقدار لا يمكن تخيله من الحزن والألم. وفي النهاية تساؤله: فأين أذهبُ، أين أذهب؟ في تكراره دلالة على عمق حيرته، وعلى الرغم من امتداد هذا العالم، لا يزال المنفيُّ يعيش في أضيق الأماكن مهما رَحُـبَتْ.

أكثر ما استمتعت بقرائته في بداياتي كان مسرحيات شكسبير، منها: تاجر البندقية، والعاصفة، وهاملت، وماكبث، وحلم منتصف ليلة صيف. تتوفر عدة طبعات من كل مسرحية، ولأكثر من مترجم ودار نشر. كنت أحرص قدر المستطاع على قراءة ترجمات د. جبرا إبراهيم جبرا، وهو شاعر وروائي، قرأت له: شارع الأميرات، هي الجزء الثاني من مذكراته وسيرة حياته، وتتوفر منها نسخة في المكتبة الرئيسية أيضا. كنت أقرأ مسرحيات شكسبير قبل أن أدرس مقرر: دراسات في شكسبير، واهتممت بقرائتها حتى بعدما انتهيت منه، إذ إنه جعلني أنظر إلى أدب المسرح، خصوصا في ذلك الوقت بطريقة مختلفة.

مرة أخذتُ كتابين للأديب عبدالله بن محمد الطائي، وهو مؤلف نشيد النهضة (صوت للنهضة نادى). الكتاب الأول كان أعماله السردية، والآخر أعماله الشعرية، ومعهما أيضا أخذت كتابا نقديا لأعماله يحوي أوراقا نقدية قُدِّمتْ في أمسية، يبدو أن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء قد أقامتها كي تبحث في أسلوب كتابته الأدبي. وقد قرأت له قصة ملائكة الجبل الأخضر، وأحببتها كثيرا.

أتذكر بشكل جيد اليوم الذي كنت أقرأ فيه كتاب مصلح على العرش: 1 يناير 2020م. كنت قد ذهبت للطابق الرابع – قسم المجموعات الخاصة، حيث الكتب للقراءة فقط، ولا يمكن إعارتها. طلبت من أمين المكتبة أن يناولني الكتاب، وقد استغربَ أن كتابا مثله لا يمكن استعارته! وأنه موجود في المجموعات الخاصة! وقد أبديت استغرابي كذلك، إذ إن هناك نسخة منه في مركز الدراسات العمانية وهي للإعارة، ولكنه يغلق فترة العصر وما بعدها. لم أكمله كله آنذاك، فقد كانت زيارة سريعة، وأظن أنني وصلت الصفحة 87، وأعدت الكتاب إلى أمين المكتبة، فقال لي: هل انتهيتِ من قرائته؟ قلتُ: لا، لكنني مضطرة للذهاب.. قرأت فقط 87 صفحة. قال باندهاش: 87 صفحة! ما شاء الله! فقلت له أنني آتي للمكتبة كثيرا، وأقرأ أكثر، لذلك أصبح من السهل قراءة بعض الكتب، ولا أرغب بوصف القراءة على أنها (سريعة/مستعجلة)، بل (فاعلة/منتجة/مفيدة). بعدها بتسعة أيام، غادرنا بطل الكتاب، ولم أستطع العودة لقرائته.

على الرغم من زياراتي الكثيرة للمكتبة، إلا أنني لم أتعرّف على موظفيها، ولم أُقْـدِم يوما على خوض محادثة واعية معهم، فهم أهلها والقائمون عليها، وأنا بنت المكتبة وأختها، وهي مني، وأحبها. مع ذلك، ذهبتُ في مارس 2021م في زيارة للمكتبة مع صديقتي العزيزة أديبة، وقتها عرفتني على إدارة المكتبة وبعض الموظفين فيها، ثم عرفتني على أحد المسؤولين في المكتبة، كان من أروع الأشخاص الذين تعرفت عليهم، بالرغم من قلة المرات التي التقينا فيها، إلا أننا دائما ما نخوض حديثا طويلا عن الكتب، والنشر، والمكتبات. قلتُ له مرة: لم أجرب أن أتحدث مع موظفي المكتبة أبدا، كنت آتي وآخذ ما أريد من الرفوف، وأجلس في مكاني المعتاد لأقرأ. قال لي: بالعكس، أنتم مرحبٌ بكم لتأتوا للمكتبة ولنا أيضا، وكنا سنسعد بمعرفتكِ. ثم سألني عن مدونتي وهو دائم السؤال عن أحوالنا ويشجعنا كثيرا.

عودةً إلى آخر يوم للزيارة، دخلتُ مركز الدراسات العمانية، وأنا أصعد على الدرج، متوجهة لا إلى مركز الدراسات العمانية، بل إلى مكان أشبهَ بغرفة باذخة ثمينة في إحدى قصور زنجبار. هكذا أسميه وهو بذلك الجمال والمعمار، وله مكانته الخاصة لدي، وبداخله كل كتاب يمكن أن نحتاجه عن عُمان، من الثقافة، والأدب، والدين، والتاريخ، والسياسة، وغيرهم. كنت قد زرته أول مرة لأستعير كتاب مذكرات أميرة عربية، وكان المكان مغمورا وترفا، تزينه الأخشاب الصلبة على الجوانب، وقد صعدت إلى الطابق الثاني، وحتى تصعد ينبغي أن تستخدم الدرج الخشبي، الذي ذكّرني كثيرا بالدرج التي تحدثتْ عنه السيدة سالمة في مذكراتها، لمّا ذكرت حادثة سقوط درج داخلي في قصرهم من كثرة استخدامه، فقد كان يركب وينزل عليه العائلة والأطفال والخدم والمربين والحاشية، ولم يحتمل هذا الضغط. وهكذا قرأتُ في المركز الجزء الأول من المذكرات، والجزء الثالث، حيث يوجد في منزلنا الجزء الثاني، وأيضا قرأت رواية قرنفلة عمانية في هامبورج لحمود السيابي، وهي على خطى مذكرات أميرة عربية، حيث بحث فيها كاتب الرواية عن تفاصيل السيدة سالمة في ألمانيا، وزار الأماكن التي تواجدت فيها، وحاكى تواجده مع وجودها في تلك الفترة. وربما سبب شعوري بأن المركز هو غرفة في قصرٍ من زنجبار، هو تشابه بعض ما وصفته السيدة سالمة عن قصرهم وغرفهم مع معالم المركز الداخلية، ومشربيّات المركز الثقافي وشرفاته.

 

– انتهى –

حميدة بنت محمد بن صالح العجمية

1 أكتوبر 2021م


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدائرة

عقل مشوش في رحلة الحياة الوديعة

"الأيام" الأخيرة لطه حسين