كَزْدَرَة في حديقة الشاعر *


بنتًا ستقرأني بحُبٍ كُلّما .. قالتْ لها أمٌّ بربّكِ ذاكِري

لا تقرأي شعرًا لكي لا تحلُمي .. كالحالماتِ غدًا بحُبٍ نادرِ

في كل مرة أقرأ فيها لشاعري المفضّل محمود درويش، أتذكرُ قول الشاعر أحمد بخيت أعلاه. كنتُ قد قرأت الكثير من الشِّعر لمحمود درويش، والنثر، والمقالات، والحوارات. بل كنت مهتمة بفهم حياتهِ والفترة التي عاشها؛ كي أستطيع استيعاب شِعْرِهِ بشكلٍ أفضل، فشاهدتُ الوثائقيات الخاصة به واللقاءات المصوّرة كذلك.

في كتاب (أنا الموقع أدناه)، وهو توثيق لحوار صُحفي بين درويش وإيفانا مرشليان عام 1991، سألها الشاعر أولًا:

-       "كم عمرك إيفانا؟

-       26 عامًا.

-       أنا ... قليلًا وأدخل في الخمسين.

-       إن شاء الله العمر المديد أ. محمود، مائة عام على الأقل، أنتَ تستاهل أطول عمر ممكن!

-       مائة عام؟ يا ريت (ضاحكًا)".

كانت إيفانا محظوظة جدًا للقاء محمود درويش وزيارته، تحدَّثَتْ معه، أعدّ لها القهوة، أحضرَ لها الهدايا، ذهبا في نزهاتٍ معًا، بل وأخبرها الكثير من الأسرار. ولمّا كان حظ إيفانا جميلًا، لم أحلم أنا بحظٍ كهذا قط، لكن معرض الكتاب هذا العام، أحضر لي قَدَرًا جميلًا مشابهًا.

_______________

الجمعة – 24 فبراير 2023م

بدون خطة ولا أي رغبة لشراء كتاب معين، ذهبتُ إلى معرض الكتاب يومها. بدأت بالتجوّل في المعرض دون وجهة محددة ولا هدف، إلى أن وقعت عينيّ على فواصل كتب في إحدى الأركان، كانت تمتلئ بصور الشاعر محمود درويش. حينما رفعت ناظريّ كي أرى اسم الدار، وجدتهُ ركنا خاصًا بمؤسسة محمود درويش.

مؤسسة محمود درويش هي هدية فلسطين إلى شاعرها المخلص، أنشئت بمرسوم رئاسي في 2008م، مؤسسة وطنية غير ربحية،  تقديرا لجهوده في إثراء حركة الشعر العربية والعالمية.

التقيتُ في الركن أولًا بالأستاذ إبراهيم أبو هشهش، الذي استقبلني استقبالا لطيفا عندما عرف كم أحب شاعري المفضل، وقد كانوا يعرضون فواصل الكتب مع كتيّبات صغيرة تعرّف عن المؤسسة وحقوق النشر لأعمال الشاعر، وطلبَ بكل رحابة صدر أن آخذ ما أريد من هذا الركن. ثم تعرفتٌ أيضا على رنين حديد، مديرة العلاقات الدولية والمشاريع في المؤسسة، التي طلبت مني أن آخذ العديد من فواصل الكتب والكتيّبات وأن أوزعها على الأصدقاء، لكنني قلت لها بأنني أريد الاحتفاظ بهذا الحب لنفسي، ولا أظن أن أحدا من أصدقائي يحب محمود كما أفعل. ثم أخَذَنا الحديث في استذكار قصائد درويش، فكنتُ أذكر قصيدة وكان أ. إبراهيم يذكر قصيدة، حتى وجدنا أن أ. إبراهيم يمتلك ذاكرةً ذهبية، حيث استطاع تذكّر قصائد محمود حتى تلك التي كتبها في بداياته! قلتُ: "يبدو أن هناك معجبًا تفوّق عليّ في معرفة شاعري المفضّل!". ليردَّ بلطف: "لا أبدا، أنتِ متفوقة أكثر مني، بس أنا أكبر بعرف أكثر".

ثم عرّفني أ. إبراهيم على أ. فتحي خليل البس، المدير العام لمؤسسة محمود درويش، الذي أخبرني بدوره أنه التقى بدرويش، بل وكان يزوره في منزله. ذهبتُ إليه وطلبت منه أن يحدثني عن شاعري المفضل، ويخبرني عن تفاصيلهِ المميزة: بيته، وأصدقائه، وطبعهِ، وصفاته، ... كنت متحمسة جدًا وطلبتُ منه أن أصوّر حديثنا؛ كي أتذكر هذا جيدًا.

هكذا وصف أ. فتحي محمود درويش في حوارنا: "محمود درويش إنسان جدًا متواضع رغم كل ما يقال عنه بأنه نزق أو لا يحب الناس، هو كان يختار أصدقاؤه بدقة، يختار من يجالس بدقة، عنده برنامجه اليومي، يبدأ من الصباح حتى الظهر بعد أن يصنع القهوة بيده لنفسه، وبعد ذلك يظل يعمل حتى الظهيرة، وبعد الظهيرة يبدأ باستقبال من يختار من أصدقائه، لمدة معينة. ثم يعود للقراءة والكتابة، وفي الليل يلعب النرد مع صديق عزيز له. وهو هكذا، يتلقى دعوات لحضور فعاليات ويزور أصدقاء...".

ثم أضاف أ. فتحي: "عندما كنتُ أزورهُ، كان لا يقبل أن أعدَّ قهوتي بمفردي، بالرغم من أنه كان يسكن لوحده، كان يصرّ على إعداد قهوتي وتقديم الطعام لي بنفسه. وإلى جانبهِ دائما دواوين شعر، أو كتب، أو قواميس، أو موسوعات، وخاصة لسان العرب، أو الأغاني. وكان كلما أراد أن يرتاح، يفتح -بشكل عشوائي- أي كتاب ويقرأ. هذا كان نمط حياة محمود درويش. إنسان بسيط طيب متواضع، لو ما كان إنسان وطني من الأساس لما تحول إلى شاعر عالمي".

لاحظت ضمن التسجيل أن أ. إبراهيم كان يتحدث مع أحد زوار الركن ويقول لهم بينما هو يشير إليّ: "انظر، هذا هو الجيل الجديد!"، وأظنه يقصد أننا لم نخسر تراثنا، فنحن محبوه الذين نقرؤه لعمق معرفتنا برسالته وتوجهه، لا لأن أي أحد يحبه.

ثم طلبتُ من أ. فتحي أن يعطيني تفاصيل أكثر عن مكان محمود، ومنزله، وممتلكاته، فقال: "تنقل بين أماكن كثيرة، وآخر مستقر له كان في رام الله وعمّان. بيته في عمّان متواضع جدا، يتكون من غرفة نوم، وصالة، ومطبخ. كما أن له غرفة بها مكتبه، الذي يكتب عليه. بالنسبة لمقتنياته، فهي بسيطة جدا، فقط هي أدوات الكتابة الأساسية وأدوات الحياة اليومية، لا شيء مميز أبدًا".

وبعدها أوقفتُ التسجيل، ثم أخبرني عن المزيد من الأسرار الشائقة، ولا أظن أنني أستطيع نشرها، لكن بشكل عام، كنتُ سعيدة لمعرفة أنني أعرف شاعري المفضل بالقدر الذي يعرفه فيه من التقاه. قال لي أ. إبراهيم أنني لو كنتُ في فلسطين أو الأردن، فإنني كنت سأستطيع الحصول على توقيع شاعري المفضل، بل لقائه أيضا!

بعدها اقترح عليّ أ. إبراهيم أن أقرأ أعمال درويش في بداياته، ونصحني باقتناء أعمال معينة، فقلتُ له: هل تسمح بمرافقتي إلى دار الأهلية؟ فقال لي بكل لطف: "أكيد!".

دار الأهلية هي إحدى دور النشر التي تنشر أعمال محمود درويش، كما أنها تتعاون مع مؤسسة محمود درويش التي حصلت على حقوق نشر أعماله الكاملة من عائلته.

وفي طريقنا إلى دار الأهلية، سألت أ. إبراهيم إن كان شاعري المفضل يتذكّر معجبيه المميزين، الذين يحبونه ويعرفون عنه الكثير، المخلصين الذين يقرؤون له، ولا أدري لمَ سألت عن ذلك، كنت فقط أود أن أجرب حظي لو أن شاعري كان حيّا، فقال لي: "هو لا يتذكر كل معجبيه، لكنه لو قرأ لكِ، حتى لو في مجلة أطفال وأحبَّ نصكِ، فإنه سيتذكرك!". لا أعلم لمَ شعرتُ لحظتها بالندم، كنتُ صغيرة حينما توفي شاعري المفضل، ولم أكن جيدة بالكتابة آنذاك، فقال لي أ. إبراهيم: "لا تندمي، هو أحيا من الأحياء أنفسهم، الشاعر لا يموت، وكل ما نراه هو امتداده".

وصلنا إلى دار الأهلية، طلبتُ من أ. إبراهيم أن يقترح عليّ ما يشاء من أعمال درويش، فقال لي: "اختاري ما تشائين من أعمال درويش، هي هدية مني لكِ". تفاجأتُ كثيرا، وقد شعرتُ بالخجل، كانت أول مرة ألتقي فيها بهذا الشخص اللطيف، وقد قلتُ له: "اختر أنتَ ما تراه مناسبًا". وقد أهداني ديوان (أعراس) الذي نشره محمود عام 1977م، وديوان (سرير الغريبة) المنشور عام 1999م. ثم أهداني الأعمال الكاملة – القصص لغسان كنفاني. كنّا قبل هذا قد تحدثنا عن مثلث الأدب الفلسطيني: محمود درويش، وغسان كنفاني، وإدوارد سعيد.

لم أحلم أبدًا في حياتي أن أكون في موقفٍ كهذا، وتذكرتُ كم كنتُ أغبط إيفانا مرشليان، عندما قرأتُ (أنا الموقع أدناه)، حيث شعرت أنني كنت هناك معهما، أستطيع تخيّل المكان والبيئة التي كانا فيها. وأذكر أنها أخبرته أنها لم تحلم ولو لمرة بلقائه! هذا ما حدث بالضبط يومها، حيث لم أحلم ولو لمرة بحصول ما حصل، وبالتعرف على الأصدقاء الطيبين من فلسطين الحبيبة.

شكرتُ أ. إبراهيم كثيرا وقلت له أنني الآن أشعر بأنني التقيتُ شاعري المفضل، حينما رأيتكم تسمحون لي بالبقاء معكم والتحدث حول درويش، وقد سألني في أول لحظة عمّا إذا كنتُ أحبٌ درويش فقط لأنه رمز القضية الفلسطينية، أم قضايا أخرى غير ذلك. فقلتُ له أنني كنت أقرأ كتاب (محمود درويش .. الغريب يقع على نفسه – عبده وازن) وذكر محمود بنفسه في جزئية الحوار بما معناه، أنه ليس رمزا للقضية الفلسطينية فقط ولا يريد أن يكون كذلك، أي رمزًا لها وحدها فقط، لكنه شاكر محبة الناس ونظرتهم له بهذا الشكل. لقد كتبَ هذا الشاعر عن الوطن، والحب، والإنسان، والوجود، والكثير من المواضيع المختلفة.

وفي أثناء عودتنا إلى ركن المؤسسة في المعرض، كان أ. فتحي في طريقنا، وقال لنا بأنه سيأخذني إلى دار الشروق كي نأخذ كتابه (انثيال الذاكرة) وأخبرني أنه تعرض للمحاكمة والكثير من التعقيدات حينما نشر الكتاب. ثم أهداني أ. إبراهيم أيضا كتاب (مذكرات مالته لوريدز بريغه) لـريلكه، وكان هو من ترجمها، حينها اكتشفت أن أ. إبراهيم مترجم أيضًا!

 ...............

الأحد – 26 فبراير 2023م

كانت زيارتي الثانية والأخيرة -للأسف- لمعرض الكتاب، حيث تعرضت بعدها لوعكة صحية منعتني من القدرة على زيارة المعرض. ذهبتُ يومها إلى ركن المؤسسة، لكنني لم أجد رنين، وكنتُ أعلم مسبقا أن أ. فتحي وأ. إبراهيم قد سافرا ورجعا إلى فلسطين. عوضًا عن ذلك، وجدت أ. لمى، التي كانت تعمل في وزارة الثقافة الفلسطينيّة.

سلّمتُ عليها وأخبرتها أنني أبحث عن رنين، فأخبرتني أن رنين خرجت لتحل أمرًا قد يستغرق وقتًا. وبالرغم من أنني لم أعرف أ. لمى ذلك الحين، إلا أنها رحبتْ بي وطلبتْ مني الجلوس بجانبها، وأخذت تحكي لي عن محمود درويش؛ لأنها هي الأخرى التقت به، بل وكانت جارته!

لم أستطع تصوير أ. لمى وكان حوارنا عامًا ومبسطًا؛ بسبب طبيعة عملها، وهذا أمرٌ أحترمه جدًا. رغم ذلك، لم تبخل بإخباري عن جارها المحبب والمشهور.

قالت أ. لمى عن جارها: "محمود درويش كان ساكن برام الله، في حي الطِّيرة، وهو أحد أحياء رام الله. وكان محمود موجودًا في وقت الاجتياح الإسرائيلي بعام الألفين، ولأجل منع التجوّل وعدم قدرتنا على الخروج من المنزل، كانوا يسمحون لنا بجلب أغراضنا أو المونة تبعنا لمدة نصف ساعة أو ساعة، وقت ضيّق جدا، فكان محمود يحب مع بعض أصدقائه يطلع (كزدورة العصر) يعني يكزدر بحي الطيرة، يلتقي بالناس ويسلم عليهم، فكان شخص قريب من الناس. أذكر أنني حضرت له أمسية أو أمسيتان شعريتان".

_______________

 

حميدة

28 فبراير 2023م

 

* كزدرة: معناها المشي في جولة، وقد تكون قصيرة أو طويلة (نزهة، تمشاية العصر، ...). 
ملاحظة: بعض الحوارات منقولة باللغة العاميّة كما تحدث بها أصحابها. أشكر كلّ الأصدقاء الذين صنعوا هذه الذكرى الجميلة، وأرجو أن ينعموا بوافر الصحة والسعادة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدائرة

عقل مشوش في رحلة الحياة الوديعة

"الأيام" الأخيرة لطه حسين