موسم البرتقال
القصة القصيرة الفائزة بالمركز الخامس في الملتقى الأدبي والفني للشباب 26 - محافظة البريمي (5-9 نوفمبر 2023م)
____________________________________
في
كل مرة يأتي فيها موسم قطف البرتقال، أحرص على ألا أفوّته. يذهب جميع من في القرية
إلى الحقول، حاملين سلالهم. تشرق الشمس فنتجهز أنا وأمي ونذهب. ومنذ موسمين
سابقين، أحمل معي سلة، وأبدأ بالبحث عن الولد الأبيض، الذي يرتدي حذاء ذا ياقة
طويلة.
هكذا
تعرفت عليه، من ياقة حذاءه التي لا يرتدي مثلها أحد هناك، رأيته لأول مرة وقد بدا هادئا يقطف البرتقال. كان أملسًا، أبيض البشرة، ذا ذراعين طويلتين،
وشعر أسود قصير. كانت عيونه صغيرة بعض الشيء، لكنني وبكل سهولة، أستطيع رؤيته
حينما يوجه بصره نحوي. تلك العينان الصغيرتان كانتا عالما عميقا بالنسبة لي.
اقتربتُ
منه بهدوء، كنا خجولين جدًا، ثم بدأتُ بقطف البرتقال بجانبه، من نفس الشجرة التي
يقطف منها. كنت أنظر نحو حذائه، ولم أرفع عينيّ عنه، وبدا الولد طويلا مقارنة بي. شعرتُ
بالفضول، أشرتُ بإصبعي نحو قدميهِ وسألته: "لماذا ترتدي حذاءً ذا ياقة طويلة؟"،
نظر إليّ متفاجئًا، ونظر إلى حذائه، ثم أعاد النظر إليّ، وسأل: "ألا يروق
لكِ؟". أجبتُ: "لم أقصد ذلك. أعني، لا أحد يلبس شيئًا كهذا هنا، إننا
نرتدي الأحذية المسطحة. انظر، أنا لا أرتدي شيئًا حتى، تركتُ حذائي مع
أمتعتنا". فنظر مستغربًا إلى قدميّ، أطال النظر، ثم استدار بهدوء ليقطف
المزيد من البرتقال. سأل مجددًا: "لماذا؟"، قلتُ: "أريد لهذا الطين
أن يتمرّغ بين أصابعي، أريد لجسدي أن يتشبع برائحته الحلوة، فهذا النسيم لا يأتي
كل يوم..".
بدون
أن يقول كلمة واحدة، انحنى إلى الأسفل ثم خلع حذائه، وبدت قدماه نضرتين ونظيفتين،
طريتين كما لو أنهما قدما طفل. ابتعدنا عن مسطحات البرتقال، مشينا بعيدًا، ومرغنا
أقدامنا في الوحل، تكلمنا عن الخرافات القديمة بين الأشجار، ومارسنا الركض
التنازلي على التلال، حتى سقطنا متعبين على الأرض. لقد ضحكنا كثيرًا يومها.
حينما
هممنا الرحيل، كنتُ أمشي خلفه، ولم أنظر إلى شيء سوى قدميه. لكنني كنت أشعر
بالمزيد من الفضول، فرفعتُ نظري، كان عنقه طويلا وبارزا؛ لأن قميصه يكشف جزءا منه،
وكانت ذراعاه طويلتين كذلك، وبسبب نحافته كانت عروق يديه بارزة. لكنني لا أحفظ
وجهه جيدا، أنا أخجل منه، وأشعر أنني لا أقدر على النظر في عينيه، في العالم
العميق الذي أتمنى رؤيته جيدا. أحفظ عن ظهر قلب كل تفاصيله، لكنني لا أستطيع أن
أضع في رأسي صورة واضحة لوجهه الجميل حينما أفتقده!
مشينا
عائدين إلى مسطحات البرتقال، حيث الأهل جميعهم يستعدون للرحيل. قبل أن نغادر، اقترب
وقال بصوته الهادئ: "دعينا كما نحن، مراهقان يسابقان الريح، ويتساءلان لماذا تلحقنا
الأشجار بعد الحديث عن الخرافات؟ ونبحث عن سبب لتغلغل الطبيعة فينا، لماذا نحب
تمريغ أقدامنا في الوحل، والغرق برائحة النسيم النديّة؟". قال هذا، وابتعد
مبتسمًا، ثم لوّح لي وتلاشى مع الباقين.
أيها
البرتقال النّضِر الجميل!
هل سيطول صبري
لأنتظرك
عامًا كاملًا؟
عد
سالمًا
فغدًا
شيء
ما جميلٌ
سوف
يحدث
______________
حميدة
تعليقات
إرسال تعليق