شارع 999 كاليفورنيا
مرحبا يا أصدقاء، نلتقي
مجددا في تأملات نهاية العام، أو ربما المواساة المنتظرة في النهاية.
أولا، الحمد لله على ما
مضى وعلى ما هو آتٍ، فنحن تحت ظلاله الوارفة، دائما بأمان. الأمرُ الآخر، أشعر أن
هذه السنة مختلفة، تحقق فيها ما لم أتخيّل تحققه، وما لم أخطط له، وأظن أنني بدأت
هذا العام بدون خطةٍ أصلا؛ لأن الحياة قبلها لم تكن تشبه شيئا مما أعرفه، لكن أكثر
ما تعلمته، هو موازنة التوقعات، وكذلك المخاوف.
في بداية العام، وبعد
سنين من السعي والبحث والرغبة العميقة في إثبات الذات في مجالي المهني، كوني لا
أملك شيئا غير المعرفة والشغف، عثرتُ على وظيفة أحلامي، وقبلتُ بها فورا. تجادلنا
كثيرا حول الشروط، لكنْ "يبقى النظام نظام، وما نقدر نغيره". كنت
سعيدةً جدًا، وفخورة أيضًا، أن باستطاعتي أخيرا أن أقول بأنني أعمل في وظيفة
أحلامي، أو ما كنتُ أتخيله جميلًا في أحلامي. في الأيام الأولى، كان كل شيء رائعا،
وشبه مثالي، لكن مع الوقت لم أستطع أن أفهم سبب الضغط العميق الداخلي الذي أشعر
به. لماذا تبدو وظيفةُ الأحلام، عادية جدًا؟
ظللتُ أفكر في كل الوقت
الذي كنت فيه في وظائفَ أُخَر، أقول في نفسي أن بقائي هناك خسارة، لمستقبلٍ
استثمرت فيه الكثير. الواقعُ أنّ أي مكان كنتُ فيه، لمْ يكن خسارةً أبدا، بل جزءا
من الرحلة التي لم أستطع أن أكونَ أكثر صبرًا عليها. دائما ما استعجلت الأمور،
ورغبتُ أن أتخلصَ من كل شي وأحصلَ على ما أريد. وها أنا حصلتُ على ما أريد، لكنه طبيعيٌ
جدًا. هنالك الأيام الشاقة، والأيام الهادئة، التحديات، والمهام الروتينية. كان كل
شيء يبدو مثل المألوفِ تمامًا، لا شيء خارج عن الطبيعة. نحن من يجمّل الأشياء
العادية، في رغبةٍ يائسة منّا للحصول على شيءٍ اسشتثنائي ربما، في الوقت الذي
يمتلك فيه الآخرون العاديّ فقط.
مع ذلك، الحمد لله لا
أزالُ في مكانٍ أعتبرهُ الأفضل، في مرحلةٍ أستمر فيها بالتعلّم والبقاء خارج منطقة
الراحة. تعلمتُ الكثير، وأشعر بنضجٍ أكبر من ذي قبل. التجاربُ الصعبة تربّي
الإنسان، تهذِّبُه، وتصنعُ منه نسخةً أفضل.
مما سأتذكره دائما هذه
السنة، هي زيارتي الأولى للولايات المتحدة الأمريكية، كاليفورنيا، تحديدا سان
فرانسيسكو. أسعدني أنني بدأت بسان فرانسيسكو، وأظنها ستظلُّ المدينة المحببة لي
لبعض الوقت. أحببت تلك الزيارة، أحببتُ التجربةَ
كلها: التردد والتوتر قبل الرحلة، الطيران في فئة الدرجة الأولى\رجال الأعمال،
الستة عشر ساعة في السماء، العبور فوق ثلاث قارات، الوصول إلى وجهة جديدة لا تشبه
شيئا مما تألفه ذاكرتي، المباني العملاقة، المشردين في الشوارع، حي (نوب هيل)
النظيف، شارع 999 كاليفورنيا، عربات الكابلات وأجراسها، برج كويت، جسر الجولدن جيت
الذي يقف كولدٍ عنيد على الخليج، السيارة ذاتية القيادة، الأيام الباردة، كل شيء كان
محببا بالنسبة لي.
هل أشتاق سان فرانسيسكو؟
بلى، ولا أستطيع الانتظار لأعود مجددا. أحفظ عن ظهر قلب مساراتِ الأماكن التي
زرتها انطلاقًا من شارع كاليفورنيا 999، في حي نوب هيل.
كان هدف الرحلة، هو
الحضور والمشاركة في مؤتمر التكنولوجيا والمعلومات الخاص بمؤسسة جولدمان ساكس،
الذي يقام سنويا في سان فكرانسيسكو في سبتمبر. تجتمع مئات الشركات المهمة
والمعروفة في قطاعي التكنولوجيا والمعلومات، وما يشبههما للالتقاء بالمستثمرين من
كل أنحاء العالم. كان الأمرُ مبهرًا، خصوصا عندما تلتقي بإداراتِ الشركات التي كنت
تسمع عنها فقط، لتجد نفسك تتحدث مع صنّاعها ومطوريها. أذكر جلسة (OpenAI)
جيّدا، استطعتُ أن أجد لنفسي كرسيًا آخر القاعةِ كي أجلس، في الوقت الذي امتلأت فيه
كل القاعات عن بكرة أبيها لحضور جلسة الاستماع لتطورات الشركة وآخر أخبارها، ورغم
اكتظاظ القاعات، جلسَ الباقون ممن لم يحالفهم الحظ للحصول على كراسٍ وطاولات شاغرة
على الأرض، ببزاتهم الرسميّة المنمّقة وهم يدقون لوحاتِ مفاتيحِ حواسيبهم المحمولة
لكتابة التفاصيل، بينما بقي الآخرون واقفين طوال الجلسة. وعند انتهاء الجلسات
الكبيرة والمهمة، يهرع الجميع للخروج إلى القاعة الرئيسية في فندق (The Palace)
أو الوقوف ببساطة في الممرات، ويتحدثون عن الشركات والأعمال والمال.
جزء مني كان يشعر
بالغربة في هذه الأجواءِ، هذا كله لا يشبه روح الكتابة الصغيرة المحبّة للعزلة في
داخلي. لا أريدُ الجري خلف الشركات الكبرى لمعرفة كل صغيرة وكبيرة، وكثيرا ما أجدُ
الحوارَ عن المالِ مملًا للغاية، فآلةُ الرأسمالية التي نعيش فيها ليست مبهرة،
وصنعُ المالِ مهما بدا ممتعًا وباعثا بإحساسِ الفوقيّة، إلا أنه مُضنٍ وشاق. هذا
ما لَنْ يخبركم به من هم في هذا المجال؛ لأن الاعتراف بذلك يشبه إلى حدٍ ما
الانهزام الداخلي في روحِ مقاتلٍ فاز للتو بمعركة كبرى.
أقول كل ذلك لا لأنني
ساخطة، أحبُ عملي، ولطالما سعيتُ له، وأظن أن جزءا من النجاة في هذا المجال، آتٍ
من رغبة داخلية عميقة في تعلّمه. هذه الحياة المهنية التي نعيشها، تجعلكَ في ثلاث
درجات: إما أن تكون آيلًا للعظمة، أو أن تخسر فتُهْجَرَ، أو أن تظلّ في الطبقى الوسطى
العائمة فوق الأرض، لكنها لا تصل السماء.
مع ذلك، أكثر من الكبار العظماء، أحترم من هم في الطبقة الوسطى، لمن يكافحُ ليصلَ رغم أن لا أحد يلتفت له كما يحتاج، لأولئك الذين يسعونَ ويظنون سَعيهم خائبًا لأن لا أحد يعرفهم أو يعترف بهم، لستم وحدكم!
شكرًا لكم أحبتي،
وألقاكم في التدوينة المقبلة على خير.
حميدة
21 ديسمبر 2025م
تعليقات
إرسال تعليق